تتجه عقوبات الخزانة الأمريكية الأخيرة إلى استهداف منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، وذلك كجزء من استراتيجية أوسع تستهدف تفكيك مؤسسات الدولة السودانية وضرب قدرتها على الصمود في وجه الحرب. تركز العقوبات على الرموز والمؤسسات الوطنية التي تصدت لمؤامرات تقسيم البلاد، بينما تتجنب استهداف كيانات وشخصيات ثانوية وغير مؤثرة تابعة لمليشيا الدعم السريع. هذا التوزيع الجائر للعقوبات يعكس محاولة مكشوفة لمواراة الانحياز للمليشيا الإرهابية والدول الراعية لها، وعلى رأسها الإمارات. الهدف الحقيقي من هذه العقوبات هو فرض حصار خانق على أعمدة الدولة السودانية، وفي مقدمتها منظومة الصناعات الدفاعية، تمهيداً لتفكيك القوات المسلحة وتمرير الأجندات الاستعمارية.
تؤثر هذه العقوبات بشكل مباشر على المؤسسات الوطنية التي تمثل العمود الفقري للدولة، بينما تغض الطرف عن الدعم العسكري والمالي الذي يتدفق إلى المليشيا عبر أبوظبي وتتجاهل الانتهاكات الموثقة بحق المدنيين. هذه الازدواجية تكشف أن الهدف الحقيقي ليس حماية المدنيين، وإنما إعادة تشكيل ميزان القوى لصالح المليشيا. منذ تمرد حميدتي، كان واضحاً أن المليشيا تسعى للسيطرة على مصانع اليرموك ومدينة الجيلي، في محاولة لقطع خطوط الإمداد وخنق الجيش، واليوم تأتي العقوبات الأمريكية لتكمل هذا السيناريو.
منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، التي شاركت مؤخراً في معرض “ساها 2026” بإسطنبول، هي ملك للسودانيين، قاموا بتشييدها طوبة طوبة، من حر مالهم، منذ الجيل المؤسس، الشهيد جمال زمقان والمهندس عماد الدين حسين. استطاعت هذه المنظومة توطين الذخيرة والسلاح، وصيانة وترقية الطيران، وضمان سلاسل إمداد مستقلة، والتحول من الدفاع إلى الاكتفاء ثم الإسناد. كما تمددت إلى أدوار مجتمعية مقدرة، مثل دعم أسر الشهداء، تنظيم العودة الطوعية لعشرات الآلاف من السودانيين، الحد من آثار الحرب، والمساهمة في مشاريع الطاقة والبنية التحتية.
هذا التمدد يعكس تعريفاً موسعاً للأمن القومي، يشمل حماية المجتمع من التفكك وفقدان الثقة في الدولة، مما يجعل استهدافها عقوبة على المجتمع بأسره لا على مؤسسة بعينها. قد تأكد لهم أن منظومة الصناعات الدفاعية السودانية ليست محض مصانع، وإنما عقل مؤسسي وشبكات إنتاج وطنية مرنة قادرة على الصمود تحت النار والحصار والعقوبات. والأفضل لهم، إذا كانوا بالفعل يريدون وقف الحرب، التوجه نحو الفاعل الحقيقي، الذين ينامون داخل مخدعهم.









