رحل عن دنيانا اليوم الفنان والممثل الكبير مختار الدعيتر. آخر لقاء جمعني به كان قبل سنة وزيادة خارج السودان، وهذه الصور توثق هذا اللقاء. كان اللقاء من أجل الترتيب لبعض الأعمال التي اتفقنا على تنفيذها، فقد طلب مني كتابة سيناريو وإنتاج مجموعة حلقات تلفزيونية تدور حول شخصيته.
جلس الدعيتر يحدثني عن أسرته وأولاده بطريقة فيها كثير من الشجن والشوق. تحدث عن أسرته الصغيرة حتى ظننت أنه يريدني أن أكتب له عنها. أولاده كانوا في السودان وقتها، وتحدث عنهم وكاد أن يبكي. أحسست بالدموع في طرف لسانه، فهو يبكي بخشمه ولا يبكي بعيونه.
قال لي بالحرف: “أنا ما مرتاح واولادي بعدين مني، لا قادر أكل ولا قادر أنوم ولا قادر أنشتغل”. وقال: “أطيب أنواع الأكل مسيخة عندي في غياب أولادي”.
مرة مشينا معا لوزارة الإعلام في إحدى الدول الشقيقة، وكان لدينا مواعيد مع مسؤول في الوزارة بهدف تقديم مقترح لعمل فني درامي مشترك. قدمني الدعيتر للمسؤول باعتباري كاتب السيناريو والفكرة. بدأنا اللقاء وكان الدعيتر يحرص بعد كل كلمتين لإقحام أسرته في الموضوع، قائلاً: “أنا لازم أجيب أسرتي حتى يحصل استقرار”.
اليوم، عندما عدت للواتساب وفتحت دردشتي مع الراحل، أعيد الاستماع لمجموعة كبيرة من الرسائل الصوتية، وتوقفت كثيراً عند رسالته التي قال فيها: “والله يا محمد أبشرك أولادي وصلوا طيبين ومستقرين ومبسوطين، أجرنا لينا شقة قدرنا الحمدلله، لكن ضربنا التهاب شهر كامل ما راح”. وأضاف: “بعد دا أنا زول شغل إن شاء الله بس أقوم من الالتهاب دا”.
هي أقدار الله وحكمته، قام من الالتهاب سالماً ووقع في الذبحة وضعف العضلة. استعجل الدعيتر حضور أولاده وقد كلفه ذلك ما كلفه من مال. ربما أحس بقرب مواعيد الرحيل.
الدعيتر هو رجل سوداني شديد الأدب والاحترام، موهوب بالفطرة ويملك قدرات كبيرة في الحكي وإتقان الدور. كان يعتبر أولاده جمهور درجة أولى في أعماله، فقد حكى لي أن ابنه الصغير قال له: “يا أبوي لو داير المسلسل دا يعبر ويعمل مشاهدات لازم تجيب مروة الدولية في حلقة”، فاستجاب الدعيتر لطلاب ابنه وشاركت مروة الدولية في إحدى الحلقات بطلبه.
الموت هو مصيبة لأهل المتوفي، نسأل الله العلي العظيم أن يصبر أسرته على فراقه، وأن يكون الموت راحة له وأن يكون طريقة سالكاً إلى الفردوس الأعلى. وإنا لله وإن إليه راجعون.









