اعتمدت الدراسة المنشورة في دورية “Frontiers in Environmental Archaeology” على إعادة تحليل رفات الملك “حور” وعدد من الأميرات، هن: “إيتا”، و”خنمت”، و”إيتاورت”، و”نوب حتب”، إضافة إلى هيكل عظمي يحمل الرقم 408، والذي ترجح الدراسة أنه يعود للأميرة “سات حتحور مريت”.
واستند الباحثون إلى الدمج بين التحليل العظمي، والفحوص الإشعاعية، والتحليل الكيميائي لمواد التحنيط، إلى جانب الأدلة الأثرية الخاصة بالمقابر.
وأكد الباحثون أن الدراسة تمثل تحولا في فهم حياة النخبة الملكية خلال الفترة الممتدة بين نحو 1850 و1700 قبل الميلاد، إذ انتقلت من وصف الهياكل العظمية إلى إعادة بناء السيرة البيولوجية للأفراد، بما يشمل أنماط حياتهم وصحتهم وأنشطتهم اليومية وعلاقاتهم الأسرية.
وأبرز ما توصلت إليه الدراسة أن العلامات الموجودة على عظام الأطراف العلوية لدى الملك والأميرات تكشف عن استخدام متكرر وعنيف للذراعين يتوافق مع ممارسة الرماية واستخدام الأسلحة.
كما أظهرت العظام نمواً واضحاً في أماكن ارتباط العضلات، وعدم تماثل بين الذراعين، وتغيرات في عظام اليدين والكتفين، وهي مؤشرات معروفة لدى علماء الآثار الحيوية على ممارسة أنشطة تتطلب الشد المتكرر للقوس والإمساك بالأسلحة.
ورأى الباحثون أن هذه النتائج تحسم جدلاً قديماً حول الأسلحة التي عُثر عليها داخل مقابر الأميرات، إذ كان يُعتقد أنها مجرد أدوات رمزية تعكس المكانة الاجتماعية، بينما تشير الأدلة العظمية إلى أنها استُخدمت بالفعل خلال حياتهن.
وتعد الأميرة “نوب حتب” المثال الأوضح، حيث توافقت التغيرات الواضحة في عظام يدها اليمنى وساعدها مع العثور على سهام داخل مقبرتها، كما أظهرت الأميرة “إيتا” علامات تدل على الاعتياد على الإمساك بالخناجر أو الصولجانات، بينما كشفت بقايا الأميرتين “خنمت” و”إيتاورت” عن مؤشرات قوية على ممارسة الرماية بصورة منتظمة.
هذا وقد أوضحت الدراسة أن هذه النتائج تشير إلى أن نساء الأسرة المالكة لم يكن يؤدين أدواراً رمزية فقط، بل شاركن في أنشطة بدنية ومهارية معقدة، وربما ارتبط ذلك بمهام عسكرية أو طقوس دينية خاصة بالنخبة الحاكمة.
كما رصد الباحثون عدداً من الإصابات التي تعرض لها أفراد العائلة المالكة وتعافوا منها قبل الوفاة بسنوات، إذ تبين أن الملك “حور” أصيب بكسر في إحدى عظام اليد وجرح بالرأس التأما بصورة كاملة، بينما أظهرت الأميرة “إيتاورت” كسوراً ملتئمة في الأضلاع وإجهاداً بعظام القدم، فيما سجلت الأميرة “نوب حتب” إصابة مرتبطة بالإجهاد في أحد المفاصل.
ولفتت الدراسة إلى أن طريقة التئام الكسور وعدم وجود تشوهات أو التهابات تشير إلى تلقي هؤلاء علاجاً طبياً جيداً، وهو ما يتوافق مع المعرفة الطبية التي وثقتها بردية إدوين سميث الجراحية، ويعد دليلاً هيكلياً نادراً على مستوى الرعاية الطبية التي حظيت بها النخبة الملكية في الدولة الوسطى.
وعلى صعيد التحنيط، أجرى الفريق تحليلاً كيميائياً لبقايا المواد السوداء الملتصقة بالعظام باستخدام تقنية التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء، ليتبين أن معظم المومياوات حُنطت بمزيج من اللبان والعرعر، بينما احتوت مومياء الأميرة “إيتا” على راتنج العرعر فقط، في الوقت الذي رجحت الدراسة أن هذه المواد استوردت عبر شبكات التجارة المصرية القديمة مع بلاد بونت ومناطق النوبة والقرن الأفريقي، وهو ما يعكس القيمة العالية لهذه المواد واستخدامها حصرياً تقريماً في تحنيط النخبة الملكية.
اعتبر عالم المصريات ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، حسين عبد البصير، إن “هذه الدراسة تُعد من الدراسات المهمة التي تضيف بُعداً جديدًا لفهم الحياة داخل القصر الملكي في مصر القديمة، لأنها لا تنظر إلى الرفات الملكية باعتبارها بقايا بشرية، وإنما باعتبارها أرشيفاً حياً يحمل معلومات عن الحركة والصحة والتدريب والعلاقات الأسرية والطقوس الجنائزية”.
وأوضح “عبدالبصير” أن “الأكثر إثارة للانتباه هو ما يتعلق بالأميرات اللاتي عُثر معهن على أسلحة، فقد كان الاعتقاد السائد لفترة طويلة أن وجود الأقواس أو السهام أو أدوات القتال داخل مقابر الأميرات ربما كان يحمل معنى رمزياً فقط، مرتبطاً بالمكانة الملكية أو الحماية السحرية في العالم الآخر، لكن إعادة الفحص باستخدام منهجيات علم الآثار الحيوية الحديثة تشير إلى أن بعض هؤلاء الأميرات مارسن بالفعل أنشطة تتطلب تدريباً بدنياً مثل شد القوس واستخدام أدوات السلاح”.
وشدد على أن “الدراسة لا تتحدث عن أميرات وضع بجوارهن سلاح باعتباره رمزاً للقوة، بل عن نساء من الأسرة المالكة امتلكن مهارات جسدية مرتبطة باستخدام هذه الأدوات في حياتهن، وهذا يعيد قراءة دور المرأة الملكية في مصر القديمة بعيداً عن الصورة التقليدية التي تحصرها في الأدوار الاحتفالية أو الأسرية فقط”.
ومع ذلك، أوضح أنه “يجب التعامل مع النتائج العلمية بدقة؛ فالدراسة لا تثبت بالضرورة أن هؤلاء الأميرات شاركن في المعارك أو الحروب، لكنها تقدم دليلاً قوياً على أنهن تدربن على استخدام السلاح أو مارسن أنشطة بدنية مرتبطة به، وهذا في حد ذاته اكتشاف بالغ الأهمية، لأنه يكشف أن الثقافة الملكية المصرية كانت أكثر مرونة وتعقيداً مما نتصور”.
لا يقصر الأمر على ذلك فحسب بحسب عالم المصريات، إذ أشار إلى أن “هذه الدراسة تمثل تحولاً في علم المصريات الحديث؛ فلم تعد دراسة الإنسان المصري القديم تعتمد فقط على النصوص والنقوش والتماثيل، بل أصبح الجسد نفسه وثيقة تاريخية، فالعظام تخبرنا عن نوعية الحركة اليومية، وعن الإصابات، وعن العلاج، وعن التغذية، وعن طبيعة الحياة التي عاشها أصحابها منذ آلاف السنين”.
ومضى قائلاً: “ربما يكون أهم درس من هذه الدراسة أن المرأة الملكية المصرية لم تكن شخصية هامشية في الحضارة المصرية، بل كانت جزءاً من عالم السلطة والرمزية والمهارة”.
استطاع تحليل الهياكل العظمية كشف أدوار عسكرية ونشاط بدني لدى الملك حور والأميرات في الدولة الوسطى.









