أربعة من أبرز الباحثين والإعلاميين المتخصصين في الشأن الإيراني، تطرقوا خلال حديثهم إلى عدد من النقاط حول المشهد الداخلي الإيراني، وأبرز ما جاء من إجاباتهم أن إيران تعيش فراغاً في القيادة لم تعرفه منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، وأن النظام يشهد حالة من الاضطراب الداخلي العميق، حيث تتربع القوات المسلحة على الجميع، في غياب شبه تام لمرشد فاعل أو قيادة سياسية ذات صلاحيات حقيقية.
رأى الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول، أن ما يجري داخل طهران يتجاوز التنافس على ملف المضيق أو الملف النووي أو الصواريخ، مشيراً إلى أن الصراع الحقيقي يدور حول مستقبل إيران ذاتها، وحول من سيحكمها ومن سيحظى بالاعتراف الأميركي والدولي بشرعيته في السلطة. ووصف الزغول هذا المشهد بأنه “غريب من نوعه”، مستشهداً بالضربات الأخيرة التي لم يعترف بها أحد من الجانب الإيراني، “كأن الذي نفذها كائنات فضائية”، على حد تعبيره. وأشار إلى التناقض الصارخ في التصريحات الإيرانية، إذ سبقت الضربات تهديدات صريحة لدولة الإمارات على لسان مسؤولين إيرانيين، ثم جاء الإنكار بعد التنفيذ، مع ادعاء أن ما جرى كان رداً على السفن الأميركية في المضيق. وسأل الزغول باستغراب: كيف يكون الرد على السفن الأميركية في المضيق، فتصل الصواريخ والمسيرات إلى الإمارات؟، مضيفاً أن واشنطن أعلنت إغراق 7 قوارب، في حين نفى الإيرانيون استهداف أي قطعة بحرية لهم، بل زعموا أن المدمرات الأميركية عادت خائبة.
كما ذكر الزغول أن الرئيس مسعود بزشكيان تعرض لحملة شعواء من السب والإهانة على مواقع التواصل التابعة للحرس الثوري، إثر اعتذاره لدول الخليج العربية، فألزم البقاء في بيته ومُنع من التواصل مع القيادة طوال فترة الحرب. وللمرة الثانية، لم يسمح له بالظهور مجدداً إلا حين استُؤنفت المفاوضات مع الأميركيين، فصور فيديو من منزله يعيد فيه الاعتذار مرة أخرى. وفي غيابه، كان نائب الرئيس رضا عارف هو من يضطلع بمهام الحكم. وخلص الزغول إلى وصف هذا الواقع بـ”الاختلال في منظومة القرار”.
وعلى صعيد القيادة العليا، توقف الزغول عند ظاهرة لافتة تتعلق بمجتبى خامنئي، الذي يُفترض أنه المرشد الأعلى الجديد لإيران. وأكد أن الرجل اختفى تماماً من المشهد بعد انعقاد جلسة التصويت في مكان وظروف مجهولة، مشيراً إلى أن تسعين بالمئة من الإيرانيين أنفسهم لا يعرفون حتى نبرة صوته، إذ ظل ملتزماً بالظل قبل توليه القيادة وبعدها. وأثار الزغول تساؤلات جوهرية بشأن صحة البيانات الصادرة باسم مجتبى، مشيراً إلى أن التواصل معه يجري عبر شخص واحد فقط قادم من استخبارات الحرس الثوري، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كانت هذه البيانات تصدر فعلاً عنه، أم أن هذا الوسيط يستغل رمزيته ليصدر ما يشاء. وأضاف أن لغة البيانات الصادرة عن مكتب القائد الأعلى تغيرت جذرياً بعد وفاة علي خامنئي؛ إذ باتت تحمل بصمة الحرس الثوري ومنطقه، وتتضمن عبارات خشنة وتهديدات عسكرية مباشرة لم تكن واردة في عهد علي خامنئي.
وأجمع المتحدثون الأربعة على أن الحرس الثوري هو الممسك الفعلي بزمام الأمور في إيران اليوم. وأوضح الكاتب الصحفي محمد الحمادي أن النظام الإيراني انتهج منذ نشأته أسلوب تبادل الأدوار واستخدام التقية بامتياز، غير أن القرار الحقيقي يبقى حكراً على الحرس الثوري بشكل واضح وقاطع، وهو ما يعكسه الواقع الميداني، إذ تنفذ الهجمات عبر الحرس الثوري دون سواه من المكونات العسكرية. ونبه الحمادي إلى أن عقلية الحرس الثوري لا تقبل التنازل ولا التراجع، ولا ترى في النهاية إلا نفسها منتصرة والآخرين مهزومين. وأكد الزغول من جانبه أن سلوك إيران الراهن لا يشبه سلوك الدول، إذ إن أول مبادئ العلوم السياسية يقضي بأن الدولة حين تستشعر الضعف تسعى إلى التحالف والتكتل لا إلى استعداء محيطها. وفي المقابل، استعدت إيران جميع دول جوارها في وقت هي في أمس الحاجة إلى الشراكات الاستراتيجية. وأضاف الحمادي أن وصول أي مفاوض إيراني إلى أي عاصمة لا يتم إلا بموافقة الحرس الثوري، مما يعني أن القيادة السياسية الإيرانية ليست سوى ناقل رسائل لا صانع قرار.
ورأى الإعلامي والكاتب الصحفي عبد اللطيف المناوي أن الحرس الثوري نفسه ليس كتلة صماء متجانسة، بل ينقسم إلى تيارين رئيسيين: تيار براغماتي لديه مصالح اقتصادية واستثمارات ضخمة في أرجاء العالم، وتيار استشهادي لا يمانع في استحضار كربلاء جديدة والزج بالبشر في مواجهات دموية، على غرار ما جرى إبان الحرب العراقية الإيرانية. وأشار المناوي إلى أن الخطأ القاتل يكمن في التعامل مع إيران إما باستهانة مفرطة تحولها إلى دمية بلا عقل، وإما بتضخيم مبالغ فيه يجعل منها غولاً لا يقهر، داعياً إلى وضع كافة الاحتمالات والتعامل مع كل السيناريوهات الممكنة دون تهوين أو تهويل. وأكد المناوي أن إيران مجتمع ضخم وعميق، وحتى بعد سقوط الصف القيادي الأول والثاني والثالث، لا تزال قيادات جديدة تطفو على السطح، مما يعني أن النظام يمتلك عمقاً مؤسسياً يتجاوز الأفراد.
وعلى صعيد المفاوضات، أوضح الزغول أن التحول من التفاوض المباشر إلى صيغة تبادل الرسائل مرده الأساسي غياب الصلاحيات لدى المفاوض الإيراني، الذي بات مضطراً إلى العودة كلمة كلمة إلى القيادة للحصول على موافقتها. وذهب الباحث في مركز ربدان للأمن والدفاع عدنان العبادي، إلى أن المفاوضات الجارية لن تفضي إلى نتيجة، نظراً للهوة الواسعة بين ما يطلبه الجانبان الإيراني والأميركي. ورأى أن الجانب الأميركي يتواصل مع قيادات إيرانية غير معلنة، وأن ترامب لا يُدلي بأي تصريح إلا استناداً إلى تقديرات استخباراتية من الداخل الإيراني. وأضاف العبادي أن واشنطن تنتظر نضج فكرة معينة قبل الإقدام على أي تصعيد عسكري، مؤكداً أن من سيقود إيران في المرحلة المقبلة لن يكون من القيادات المتنافسة الحالية كقاليباف أو بزشكيان أو عراقجي أو وحيدي. وخلص المناوي إلى أن ما يمكن تحقيقه على طاولة المفاوضات لن يتجاوز انعكاس ما هو حاصل على أرض المعركة، وأن المنطقة ستظل في حاجة إلى التعامل مع جميع السيناريوهات الإيرانية المحتملة في آن واحد، وممارسة الضغط على كل الأطراف المؤثرة داخل النظام، لأن إيران التي تجلس خلف طاولة التفاوض ليست إيران واحدة بقيادة موحدة، بل هي فسيفساء من مراكز القوى المتنافسة التي لا يعلو فوقها في الوقت الراهن سوى صوت الحرس الثوري.









