المشهد انقلب بصورة دراماتيكية مع تنفيذ إسرائيل غارات على الضاحية الجنوبية، وهي الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار وبعد انطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن. وعاد التصعيد العسكري ليفرض نفسه بقوة، فتحا الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن مستقبل المفاوضات وفرص الاستقرار على الجبهة اللبنانية.
ويرى خبير في الشؤون السياسية والعسكرية أن التطورات الأخيرة تعكس حالة من “الاستعصاء السياسي” الذي يقود بطبيعته إلى أفعال عسكرية على الأرض، معتبراً أن كل انسداد سياسي يقابله رد فعل ميداني. ويشير إلى أن حزب الله لا يمكن فصله، وفق قراءته، عن البنية العملياتية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، موضحا أن طبيعة الصراع الجاري يجب فهمها ضمن إطار أوسع يتعلق بالمسارح العملياتية التي شهدتها المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ويشرح أن الحرب الأخيرة لم تكن محصورة بساحة واحدة، بل توزعت على 4 مسارح عمليات شملت الأراضي الإيرانية ومضيق هرمز ولبنان و العراق، معتبرا أن هذه الساحات شكلت منظومة متكاملة ضمن استراتيجية إيرانية هدفت إلى تشتيت الجهد العسكري المقابل. ويؤكد أن وقف إطلاق النار اقتصر على المسرح الإيراني فقط، فيما استمرت قواعد الاشتباك في الساحات الأخرى، ولا سيما في لبنان الذي لم تتوقف فيه العمليات العسكرية خلال الفترة الماضية. ويشير إلى أن “لبنان هي عوامل إشغال بالنسبة للإيرانيين، ويركزون عليها بشكل قوي، حتى لا تفكر إسرائيل بضرب إيران”.
وفي قراءته للغارات الإسرائيلية الأخيرة، يؤكد أن الهجوم استند إلى معلومات استخباراتية دقيقة تتعلق بمواقع انتشار قيادات وقدرات عملياتية كانت، بحسب تقديره، على وشك تنفيذ نشاطات عسكرية. ويلفت إلى أن بعض الأنفاق التي استهدفتها الضربات كانت قادرة على استيعاب أكثر من مئتي شخص، وأن الموقع المستهدف في الضاحية يُعد من المقرات المهمة التي تضم قيادات مؤثرة، الأمر الذي يفسر حجم العملية العسكرية التي نفذت. ويربط بين هذه التطورات وبين الدور الأميركي، مشيراً إلى أن مذكرة التفاهم والتفاهمات القائمة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية تمت أساساً برعاية واشنطن، ما يجعل الولايات المتحدة طرفاً ضامناً في هذا المسار. كما يشدد على أن القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية ما تزال عالية الفاعلية، سواء عبر المصادر البشرية أو عبر منظومات استخبارات الإشارة، الأمر الذي مكنها، بحسب رأيه، من متابلة التحركات واستهداف مواقع حساسة داخل الضاحية الجنوبية. ويحذر في الوقت نفسه من أن توسع الاستهدافات لتشمل مزيداً من مقرات القيادة داخل المناطق المدنية ينذر بمستوى أعلى من الخطورة، خصوصاً مع اعتماد التنظيمات المسلحة، وفق وصفه، على العمل العسكري من داخل المدن وما يترتب على ذلك من تحويل تلك المواقع إلى أهداف عسكرية.
ويؤكد أن الحكومة اللبنانية تبدو جادة في السير نحو خيار السلام، مشيرا إلى وجود تقارب بين المواقف السياسية الرسمية، إلا أنه يعتبر أن عدم تمكن الجيش اللبناني من السيطرة على بعض المواقع والأنفاق المرتبطة بحزب الله دفع إسرائيل إلى مواصلة استخدام القوة العسكرية. ورغم ذلك، لا يرجح أن يتمكن الحزب من السيطرة على المؤسسات الحكومية، معتبراً أن المشهد اللبناني يشهد تغيرات سياسية متراكمة وكسر جزء من الحواجز التي كانت تحيط بالحزب، فضلا عن وجود إرادة حكومية لتغيير الواقع السياسي القائم. لكنه يحذر من أن الحزب، بوصفه تنظيما مسلحاً، قد يلجأ إلى وسائل تقليدية لإحداث الإرباك والتشويش داخل لبنان خلال المرحلة المقبلة. كما يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يعتقد أن كلا من إيران وإسرائيل لا تبدوان بعيدتين عن خيار العودة إلى الحرب، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي يدرك هذه المعادلة، وأن إعطاء الضوء الأخضر لبعض الاستهدافات يأتي في ظل توقعات بإمكانية استئناف العمليات العسكرية مجدداً.
ويرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة جديدة أكثر خطورة، معتبراً أن التطور الأبرز يتمثل في قرار إسرائيل فرض أمر واقع جديد في لبنان. ويشرح أن هذا التوجه يرتبط بمسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بإمكانية ذهاب إدارة ترامب نحو تفاهمات أو صفقة مع إيران، والثاني يتمثل في رغبة إسرائيل في ضمان قدرتها على إنجاز أهدافها في الساحة اللبنانية بغض النظر عن أي تحولات سياسية محتملة. ويصف الضربة الأخيرة بأنها ضربة جدية أصابت قيادات مهمة، معتبراً أن طبيعة الرد الإيراني السريع تشكل مؤشراً على أهمية الأهداف التي تعرضت للاستهداف. وبحسب تقديره، فإن هذه التطورات تحمل في طياتها إمكانية إعادة إشعال المنطقة على نطاق أوسع، خصوصاً في ظل تبدل اللهجة الأميركية تجاه العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله، بعدما أصبحت واشنطن أكثر تقبلا لما تسميه العمليات الجراحية.
ويتوقع أن تمضي إسرائيل نحو توسيع عملياتها في لبنان بصورة أكبر، مع التركيز على حسم الوضع جنوب الليطاني واستكمال استهداف عدد من المواقع التي تعتبرها أساسية. ويحذر من أن بعض المناطق الواقعة جنوب الزهراني قد تواجه واقعاً جديداً يتمثل في سيطرة إسرائيلية أوسع وإفراغ مناطق من سكانها، معتبراً أن المشهد الحالي يختلف عن الظروف التي أعقبت حرب عام 2006. ومن هذا المنطلق، يرى أن الحرب تتجه نحو مزيد من الاحتدام، إذ إن إسرائيل، بحسب تقديره، لن تتراجع عن الأهداف التي وضعتها، في حين أن حزب الله لا يتعامل مع الصراع باعتباره حرباً لبنانية بقدر ما يربطه بالدفاع عن إيران. كما يرجح تصعيداً إضافياً من جانب حزب الله خلال المرحلة المقبلة، ما قد يؤدي إلى اشتعال الجبهة اللبنانية بصورة أكبر. ويعتقد أيضاً أن إسرائيل قد تجد في التطورات الأخيرة فرصة للتحرر من القيود والتفاهمات السابقة، متوقعاً تنفيذ.









