وفقاً لبيانات عسكرية إسرائيلية، نفذت القوات الجوية ضربات اعتماداً على “معلومات استخباراتية دقيقة”، وهو ما يُعتبر أول ضربة من هذا النوع تستهدف مواقع داخل شمال إيران مباشرة منذ اندلاع الحرب. وأفادت تقارير بأن سلاح الجو الإسرائيلي استهدف قاعدة للبحرية الإيرانية في مدينة بندر أنزلي، وهي أكبر ميناء إيراني على ساحل بحر قزوين، مشددةً على أن هذه هي أول مرة تستهدف فيها إسرائيل القوات البحرية الإيرانية في هذا البحر. كما تداولت مقاطع فيديو توثق وقوع عدة انفجارات بالتزامن مع تنفيذ الضربات.
يُعد بحر قزوين منطقة جيوسياسية حساسة تتشارك في ممراته عدة دول من بينها إيران وروسيا، ولم يشهِ تاريخياً نشاطاً عسكرياً مباشراً بين أطراف صراعات الشرق الأوسط، مما يجعل أي هجوم في هذه المنطقة تطوراً نوعياً في نطاق المواجهة. ورأى محللون أن هذا التصعيد يعكس تحولاً في الاستراتيجية الإسرائيلية نحو توسيع مسرح العمليات واستهداف العمق الإيراني في مناطق غير تقليدية، مع زيادة الضغط على القدرات البحرية للطرف الإيراني.
اعتبر الخبير الروسي أوليغ إغناتوف، الباحث في الشأن الروسي، أن هذا التطور خطير، إذ يرفع من احتمالات وقوع حوادث قد تشمل أطرافاً ليست منخرطة بشكل مباشر في النزاع حتى الآن. وأشار إلى أن روسيا تنظر إلى الهجوم بأسلوب سلبي، مشدداً على عدم وجود التزامات دفاع مشترك بين إيران وروسيا، ووضح أن موسكو قد تلجأ إلى مطالبة كل من إسرائيل والولايات المتحدة بوقف تنفيذ مثل هذه الهجمات، لا سيما تلك التي تستهدف مواقع في بحر قزوين. وأضاف أن هذه الضربات تنطوي على مخاطر تطال جميع دول البحر، بما في ذلك روسيا، مع التركيز على احتمالية استهداف أهداف روسية عن طريق الخطأ بدلاً من الإيرانية، وهو ما سيكون غير مرغوب فيه لدى الجميع.
من جانب آخر، أشارت التحليلات إلى أن الضربة تستهدف ممراً رئيسياً يُستخدم لنقل الأسلحة بين طهران وموسكو. وتُعد بندر أنزلي مقراً للقاعدة الرئيسية لأسطول البحرية الإيرانية الشمالي، وتلعب الميناء دوراً مركزياً في التجارة البحرية، لكن منذ اندلاع حرب أوكرانيا، أصبح البحر ممر تهريب رئيسياً للسفن الإيرانية والروسية، التي تقوم بانتظام بإيقاف أنظمة التتبع لنقل البضائع بين موانئ إيرانية مثل أنزلي وأمير آباد والميناء الروسي أستراخان. ويُذكر أن طهران استخدمت هذا الطريق لإرسال طائرات بدون طيار وصواريخ وذخائر إلى موسكو لاستخدامها في أوكرانيا، مما جعل البحر شريان إمداد حيوي رغم ظاهره غير المرتبط بمناطق القتال.
وكانت أوكرانيا قد نفذت ضربات في المنطقة عدة مرات بهدف تعطيل هذا الطريق؛ ففي نوفمبر 2024، هاجمت أهدافاً في بحر قزوين لأول مرة، مما أصاب الميناء الروسي كاسبيسك في منطقة داغستان مقر الأسطول الروسي وألحق أضراراً بسفينتي صواريخ. وفي أغسطس 2025، هاجمت القوات الأوكرانية سفينة شحن روسية كانت تحمل معدات وذخيرة من إيران، مما أدى إلى غرقها جزئياً.
رأى الباحث الروسي تيمور دويدار أن الهجوم الإسرائيلي الأخير يأتي في إطار “نهج” يستهدف توسيع رقعة الصراع العسكري لتتجاوز منطقة بعينها داخل إيران إلى نطاق جغرافي أوسع، معتبراً أن التحركات الإسرائيلية تحمل رسائل غير مباشرة لروسيا وأذربيجان وكازاخستان. وأوضح أن الأوساط الرسمية الروسية تدرك أبعاد هذه التحركات، وهو ما يفسر حالة الحذر من احتمالات توسع الحرب، خاصة في ظل تشابك المصالح الروسية. وفيما يتعلق بالدور الروسي، لاحظ دويدار أنه قد يظل في إطار التنسيق الاستخباراتي غير المباشر دون تدخل مباشر، نظراً لانشغال موسكو بمواجهة أوكرانيا، مرجحاً أن يظل الدور الروسي محدوداً نسبياً خلال المرحلة المقبلة. وشدد على أن اتساع دائرة التصعيد يضع المنطقة أمام “منعطف شديد الخطورة”.









