تتزامن التصريحات الأخيرة حول إيران مع استمرار استهداف الملاحة في المنطقة، وتهديد السفن، وشن اعتداءات على دول خليجية، مما يشكل مفارقة صادمة.
وتُقفز طهران، وفق تحليلات أدلى بها باحثون وخبراء، على رد دبلوماسي تقليدي، لتبدأ بصياغة معادلة أمنية جديدة بمنطقها الخاصة، عبر “اختطاف” أهم شريان ملاحي عالمي والتفاوض عليه.
فكيف تدير طهران هذا التناقض العميق؟ ولماذا تبدو غير قادرة على توقيع اتفاق حتى لو أرادت؟ وكيف ستتعامل واشنطن مع نظام يصفه أحد المحللين بـ”المنظومة العسكرية الفاشية” التي لا تعترف بأنها خسرت معركة الشرق الأوسط؟
في تحليله للبيئة الداخلية الإيرانية، يضع الباحث محمد الزغول إصبعه على الجرح الأعمق داخل النظام الإيراني. بناءً على ما ورد في وسائل الإعلام الإيرانية، يؤكد الزغول أن طهران “رفضت مجمل المقترح الأميركي”، موضحاً أن الرد الإيراني، وإن لم يكن رفضاً قاطعاً، إلا أن النقاط التي أبدت استعداداً لمناقشتها هي “النقاط الهامشية التي لا تُعد أولوية لواشنطن”.
بيد أن الزغول يتجاوز مسألة الإرادة السياسية ليحلل معضلة القدرة على اتخاذ القرار. يقول بصراحة: “إيران اليوم حتى لو أرادت أن تقبل المقترح الأميركي لن تستطيع”.
ويكشف أن النظام يعيش حالة من الشلل الاستراتيجي بسبب ما وصفه بـ”المخاض السياسي” الحاد على مستوى القيادة. هذا الانقسام البنيوي العميق يحول دون التوصل إلى “إجماع حول أي تنازل ذي قيمة ينتج توافقاً مع الولايات المتحدة”.
ويقدم الزغول توصيفاً دقيقاً لهذا المأزق، مشيراً إلى أن القيادة الإيرانية تحولت من بنية “هرمية شجرية” تستمد شرعيتها من جذر واحد، إلى قيادة “مسطحة” تتنازعها مؤسسات موازية متعددة المرجعيات.
ففي هذا المشهد المُشرذم، لم تعد الحكومة أو الخارجية سوى مؤسسات شكلية، بينما تركز السلطة الحقيقية في أربعة مراكز: مقر خاتم الأنبياء، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وقيادة الحرس الثوري، واستخبارات الحرس.
ويضرب الزغول أمثلة حية على هذا التخبط المفضوح، إذ أن وزير الخارجية يعلن أن المضيق مفتوح للملاحة، ليرد عليه قائد القوة البحرية في اليوم التالي بعكس ذلك ويبدأ بالقصف.
في ظل هذا الواقع، يخلص الزغول إلى أن المماطلة الإيرانية ليست مجرد تكتيك تفاوضي، بل هي ضرورة وجودية لنظام غير قادر على حسم خياراته، وأنها ستحتاج إلى “شهور وسنوات، لا أسابيع”.
من جانبه، يقدم الخبير مهند العزاوي قراءة استراتيجية مغايرة لا ترى في هذا التخبط عجزاً، بل خطة متعمدة.
يؤكد العزاوي أن إيران “لا تنظر إلى التفاوض من جانب استراتيجي، بل من جانب تكتيكي”، وبالتالي “هي تماطل وتخادع وتناور وتتجاهل المهل”.
في هذا السياق، لا تُعتبر الاعتداءات المستمرة على المنطقة وإعادة التموضع العسكري في الداخل مجرد أفعال منفصلة، بل هي أوراق ضغط تُستخدم بالتزامن مع المسار الدبلوماسي، بما في ذلك “استفزاز نفسي متعمد” للرئيس دونالد ترامب.
ويكشف العزاوي عن استراتيجية إيرانية أكثر تعقيداً تقوم على “تقسيم مسارح الحرب”. يوضح قائلاً: “جعلوا من هرمز مسرح حرب.. جعلوا من لبنان مسرح حرب.. مسرح العراق هو مسرح.. مختلف عنهم، قسموا أربع مسارح”.
وفي قلب هذه الاستراتيجية، جعلت طهران من الملف النووي ومضيق هرمز “عاملين رئيسيين”، متجاهلة عن قصد عوامل تهديد أخرى كالصواريخ والمسيّرات والأذرع الإقليمية.
هذا التجاهل، وفق العزاوي، ليس عشوائياً، بل هو ما أتاح لقادة عسكريين كقائد فيلق القدس السابق إسماعيل قاآني التنقل بحرية مريحة إلى العراق ولبنان دون اعتراض، حتى في خضم حالة الحرب.
ويخلص العزاوي إلى ملاحظة لافتة هي أن هذه المرحلة فريدة من نوعها: “لأول مرة في تاريخ النزاعات، نجد أن الطرفين يبحثان عن الزمن أو يحاولان شراء الوقت”، ففي وقت تماطل فيه طهران، تعمل واشنطن على إنضاج خططها لتفكيك هذه المسارح واحدة تلو الأخرى.
يبرز ملف لبنان وحزب الله كأحد أكثر أوراق التفاوض حساسية، وهنا تتقاطع تحليلات العزاوي والزغول لتشكل صورة متكاملة.
يصف العزاوي حزب الله بأنه “قاعدة عسكرية لفيلق القدس وللحرس الثوري الإيراني في لبنان”، مؤكداً أن نشاطه يتجاوز الصراع مع إسرائيل ليشمل “إخضاع لبنان كدولة”، وتدريب الميليشيات في المنطقة، وتصدير الثورة.
ويضيف أن طهران تعتبره “قاعدتها العسكرية في المتوسط”، ولهذا السبب بالذات “لا تريد أن تخسره في ظل سياق التفاوض”، معتبراً أن التضحية بحماس واردة، لكن التضحية بحزب الله ليست كذلك.
يحلل محمد الزغول إصرار إيران على ربط لبنان بالمفاوضات في سياقين استراتيجيين.
الأول هو أن إنهاء الحرب في لبنان عبر طاولة التفاوض مع طهران يمنح الأخيرة “اعترافاً ضمنياً بدورها الإقليمي”، وهو مكسب جيوسياسي هائل.
أما السياق الثاني والأخطر، فهو أن حزب الله طالما برر وجوده وسلاحه بحماية لبنان من إسرائيل. فإذا جاء السلام عبر مفاوضات لبنانية إسرائيلية مستقلة، فإن هذا “ينزع شرعية سلاح حزب الله” تماماً.
ويختصر الزغول هذه المعضلة بعبارة حاسمة: “إذا جاء وقف إطلاق النار عن طريق إيران، فهو تثبيت لشرعية سلاح حزب الله. وأما إذا جاء عبر توافق لبناني-إسرائيلي، فهو نزع لهذه الشرعية”.
يكشف الملف النووي عن أحد أكثر المسارات التفاوضية تعقيداً، كما يوضح ذلك أستاذ القانون الدولي عامر فاخوري. مستنداً إلى أرقام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يشير فاخوري إلى أن إيران تمتلك نحو 9874 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، من بينها 440 كيلوغراماً عالي التخصيب.
ويرى فاخوري أن “الرفض الكامل” و”القبول الكامل” للمقترح الأميركي كلاهما مستحيل، مرجحاً أن يكون الرد الإيراني مشروطاً على قاعدة “نعم، ولكن”، وقد يتضمن طلب فتح مضيق هرمز مقابل “تنازلات مبكرة من واشنطن تضمن عدم استهدافها أثناء التفاوض”.
لكن جوهر التعقيد، وفق فاخوري، يكمن في مسألة مصير هذا المخزون. فهو يميز بدقة بين “تسليم” اليورانيوم و”نقله”، موضحاً أن طهران قد تقبل بنقل اليورانيوم كوديعة لدى دولة ثالثة “تثق بها”، مع الاحتفاظ بحق استعادته في حال فشل المفاوضات، وهو خط أحمر لن تتنازل عنه.
بيد أن فاخوري يضيف بعداً آخر من التعقيد، نقلاً عن المدير العام للوكالة الدولية رافاييل غروسي، وهو أن عملية نقل اليورانيوم عالي التخصيب من منشأة أصفهان حيث هو “مدفون في الأرض” هي “عملية معقدة جداً، ليست يوم ويومين”.
هذا المأزق التقني يجعل الخيار الأكثر واقعية، في تقدير فاخوري، هو إبقاء اليورانيوم داخل إيران “تحت رقابة الأقمار الصناعية والوكالة الدولية للطاقة الذرية” كحل مؤقت إلى أن يتم إيجاد آلية نقل مستدامة.
يُعمق الزغول التحليل بالكشف عن أن المخزون النووي لدى طهران لم يعد مجرد أداة مساومة تقليدية. فبعد الحرب، تحطمت أجزاء كبيرة من منظومة الردع الإيرانية التقليدية، وأصبحت البلاد “بسماء مكشوفة وردع مهشم”.
وهكذا، أصبح المخزون النووي ورقة لشراء ليس فقط رفع العقوبات، بل “بدائل ردع قوية”، كالحصول على سلاح جو فعال وضمانات أمنية.
ويختتم الزغول بأن مسألة التخصيب في إيران تجاوزت المستوى الأمني والسياسي لتصبح “مرتبطة بالكرامة الوطنية الإيرانية”، مما يجعل أي تنازل عنها بمثابة خسارة وجودية لكل ما بناه الحرس الثوري من سرديات المقاومة، وهو ما يفسر استحالة تقديم تنازل حقيقي فيها.









