امتدت رقعة الاشتباكات إلى مواقع حساسة، حيث رصد دوى إطلاق نار كثيف في كاتي، مقر إقامة قائد المجلس العسكري أسيمي غويتا، وسط تداول صور لدمار طال منازل المدنيين. كما شملت الهجمات مدنا شمالية مثل غاو وبلدة سيفاري، مما يعكس اتساع نطاق العمليات وتزامنها الجغرافي، ويشير إلى تحول نوعي في تكتيكات الجماعات المسلحة. وأعاد هذا التصعيد طرح تساؤلات حول جدوى الرهان على الدعم الروسي في منطقة الساحل، خاصة بعد اعتماد باماكو على ما يعرف باسم “الفيلق الروسي” كبديل لمجموعة “فاغنر” التابعة لموسكو أيضا.
تلاقي المصالح في قراءة أولية لهذه التطورات، قال مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو عمرو الديب: “طبقا لما ورد في الوسائل الإعلامية فهناك بالفعل دوي انفجارات وإطلاق نار كثيف بالقرب من قاعدة كاتي العسكرية، وهي قاعدة استراتيجية تقع قرب العاصمة باماكو. هذا التطور يشير إلى تنامي قدرات حركة أزواد والجماعات المسلحة الحليفة لها على اختراق التحصينات العسكرية في المناطق المركزية”. وأضاف: “هذا في حد ذاته يعتبر تطور لتكتيكات الطوارق ، حيث أصبح هناك تنسيق مع جماعات إسلامية متشددة مثل نصرة الإسلام والمسلمين، لتنفيذ هجمات منسقة ضد الجيش المالي والشركات العسكرية الروسية العاملة في المنطقة”. في المقابل، حذر المحلل السياسي المستشار الاستراتيجي الإيطالي دانييلي روفينيتي من “الخلط بين الأطراف”، قائلا: “ينبغي تجنب دمج جبهة أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين بسهولة، فجبهة أزواد ذات أغلبية طوارقية انفصالية، بينما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين جهادية ومرتبطة بتنظيم القاعدة، قد تتقارب الجبهة تكتيكيا ضد باماكو، لكن مشاريعها السياسية ليست متطابقة”. وعن جذور التصعيد، أشار الديب إلى أنه “بعد انسحاب قوات حفظ السلام الأممية (مينوسما) نهاية 2023، وقع فراغ أمني كبير في البلاد، وحاولت القوات المالية والروسية ملء هذا الفراغ، لكن الأزواد والجماعات الحليفة لها استغلوا الوضع لإعادة تنظيم صفوفهم وشن هجمات مضادة”. ويشير مراقبون إلى أن هذا الفراغ أعاد رسم موازين القوى في الشمال، ومنح الفاعلين المسلحين فرصة لإعادة التموضع والتوسع، خصوصا في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة تقليديا. اختبار صعب لـ”النموذج الروسي”
يرى روفينيتي أن الأزمة تتجاوز البعد العسكري المباشر، قائلا: “القضية الحقيقية لا تقتصر على سقوط باماكو اليوم أو غدا، بل تكمن في أن مالي تظهر حدود النموذج الأمني الروسي في منطقة الساحل، فقد وفرت موسكو ووكلاؤها الحماية للنظام، والأمن المشدد، وخطابا مناهضا للغرب، مما ساعد المجلس العسكري على البقاء وتحقيق بعض الانتصارات التكتيكية، لكنهم لم يعيدوا بناء سلطة الدولة”. وأضاف: “استراتيجية جبهة نصرة الإسلام والمسلمين أصبحت الآن اقتصادية وسياسية بقدر ما هي عسكرية، فهي تسعى لعزل باماكو، وتعطيل إمدادات الوقود، وإرهاق الجيش، وإظهار عجز المجلس العسكري عن الحكم، وإذا انهار المجلس العسكري، فسيكون ذلك ضربة قوية لروسيا، لأن مالي كانت بمثابة واجهة لنموذجها ما بعد الفرنسي في أفريقيا”. وتابع روفينيتي: “سيظهر ذلك أن روسيا قادرة على حماية الحكام لفترة من الزمن، لكنها لا تستطيع بالضرورة تحقيق الاستقرار للدول”. وعن احتمالات التصعيد، حذر الديب من أن “الوضع في مالي بشكل عام يتجه نحو مزيد من التصعيد، مع تراجع قدرة الدولة على السيطرة على المناطق الشمالية والتهديد المباشر للعاصمة باماكو، وهذا التطور يشير إلى فشل السياسات العسكرية الأخيرة ويعكس مستقبلا غامضا للسلام والاستقرار في المنطقة ككل”. وأضاف: “في المستقبل القريب والمتوسط سنكون أمام موجة عدم استقرار دامية في هذه المنطقة المهمة التي تؤثر على إمدادات المعادن للقارة الأوروبية، وكذلك زيادة في نشاط الجماعات الجهادية المتطرفة التي تمثل خطرا جماعيا على المنطقة”. كما حذر من أن نجاح الجماعات المرتبطة بـ”نصرة الإسلام والمسلمين” قد يدفع نحو “الجهاد العابر للحدود” في دول الساحل الإفريقي، مثل بوركينا فاسو والنيجر وغانا وتوغو.
يحدث في كيدال وقال المحلل الليبي في الشأن الإفريقي إدريس أحميد، إن “ما يجري في مالي لا يمكن عزله عن محيطه الإقليمي، حيث تعاني منطقة الساحل هشاشة أمنية ممتدة، مما يجعل أي توسع للعمليات المسلحة قابلا للانتقال إلى دول الجوار، وهو ما يرفع من احتمالات تحول الأزمة إلى حالة عدم استقرار إقليمي ممتد”. وأضاف: “الأقرب للواقع هو أن ما يحدث يعكس تداخلا معقدا بين تنافس دولي، وضعف بنيوي في الدولة، وتعدد الفاعلين المسلحين، وهو ما يجعل الأزمة قابلة للاستمرار وإعادة الإنتاج بدل الحسم”. وكان المتحدث باسم “جبهة تحرير أزواد” محمد المولود رمضان، أعلن أن العديد من المواقع “سقطت بالفعل تحت سيطرة قوات أزواد، وتم تحرير كيدال، وتحاصر القوات غاو”. ويرى أحميد أن “سيطرة أزواد على كيدال تحمل دلالة رمزية وسياسية كبيرة باعتبارها مركز الثقل التاريخي للطوارق، ويمكن القول إن ذلك يعيد إحياء الطرح الانفصالي في الشمال، بينما امتداد الاشتباكات إلى باماكو يعكس انتقال الصراع إلى قلب الدولة، بما يشير إلى أن مفهوم الأمن الداخلي بات في دائرة التحدي المباشر”. مشهد مفتوح أصدرت السفارة الأميركية في باماكو تحذيرا أمنيا بشأن الانفجارات وإطلاق النار قرب كاتي والمطار، بينما جددت واشنطن انتقادها للتعاون مع الجانب الروسي، داعية إلى حلول سياسية تشمل الشمال. كما دان الاتحاد الإفريقي الهجمات، معتبرا أنها تعرض المدنيين لمخاطر كبيرة. في المقابل، أعلن الجيش المالي أن “جماعات إرهابية مسلحة مجهولة الهوية” استهدفت مواقع عسكرية، مؤكدا أن الوضع “تحت السيطرة”، رغم استمرار الاشتباكات. وتعيش مالي أزمة أمنية عميقة منذ عام 2012، مع تصاعد نشاط الجماعات المرتبطة بتنظيمي القاعدة و”داعش”، إلى جانب الجماعات الانفصالية، في ظل هشاشة الدولة وتكرار الانقلابات العسكرية في 2020 و2021. وبحسب مراقبين، فإن مالي اليوم أمام مفترق طرق حاسم بين طموحات الانفصال في الشمال، وتمدد الجماعات المتشددة، وتراجع فعالية المقاربات الدولية، وذلك قد لا يحدد فقط مستقبل باماكو، بل يعيد رسم خريطة النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي بأكملها.
تصعيد هجمات مسلحة بمالي وتهديد مواقع حساسة بالعاصمة باماكو









