في حين يتمسك كل طرف بشروطه القصوى، يبدو الوقت يضغط على الجميع: على الداخل الأميركي من بوابة الاستحقاقات الانتخابية والاقتصادية، وعلى الداخل الإيراني من بوابة انقساماته البنيوية وعجزه عن إنتاج قرار تفاوضي موحّد.
هذا ما رصده باحثون ومحللون متخصصون، وقدّموا قراءات تحليلية في ما آلت إليه الأوضاع وما قد تؤول إليه.
الشروط الخمسة: جدار الخلاف الذي لا يتزحزح
كشفت وكالة فارس الإيرانية أن الردود الأميركية على المقترح الإيراني الأخير تمحورت حول 5 شروط رئيسية؛ في مقدّمها سحب وتسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى الولايات المتحدة حصراً، وإبقاء مجموعة واحدة فحسب من المنشآت النووية قيد التشغيل، فضلاً عن رفع واشنطن لأي تعويضات أو أضرار تطالب بها إيران، ومعارضتها لربط وقف الحرب في جميع الساحات بمسار التفاوض.
في المقابل، تتمسك طهران برفع العقوبات كافة، والاعتراف بما تصفها بسيادتها على مضيق هرمز، وهي نقطة يرفضها ترامب جملةً وتفصيلاً، إضافة إلى إنهاء الحرب على جميع الجبهات وخاصة الجبهة اللبنانية.
بنية مشلولة وقرار معلّق: أزمة الداخل الإيراني
يرصد الباحث في مركز الإمارات للسياسات محمد الزغول منذ أسابيع ما يصفه بـ”التصلّب الإيراني” المتصاعد، مشيراً إلى أن هذا التوجه قد يقود إلى عودة العمليات العسكرية، في ظل مسار إيراني يسير عكس ما كان متوقعاً من إظهار مرونة والتعامل الجاد مع المقترحات المطروحة.
ويستشهد الزغول بأن وفد إسلام آباد برئاسة قاليباف كان قد أبدى تنازلات، غير أن طهران تراجعت عنها وعادت إلى مواقف أشد تشدداً.
ويلفت الزغول إلى ما يراه مؤشرات على أن أجزاء من الحرس الثوري تعمل لإعادة اشتعال الحرب، معتبراً أن الشروط الإيرانية المطروحة “تعجيزية”.
وفي تفسيره لهذا التعثّر، يُحيل الزغول إلى ما يصفه بالخلل البنيوي في الداخل الإيراني؛ إذ يرى أنه لا توجد منظومة سياسية تعمل بصورة طبيعية تُتيح الوصول إلى توافق وتقديم تنازلات، وأن المشهد الداخلي “تجزيئي لا يسمح بظهور قرار”، على حد تعبيره.
التردد الأميركي: ثمن وقف الزخم
ينتقد الزغول قرار وقف الزخم العسكري في وقت كانت فيه العمليات تُحقق نتائج، محاججاً بأن إعطاء الهدنة للنظام الإيراني في وقت كان يُبدي فيه تشدداً متصاعداً أفرز إشكالية أثّرت على مسار الحرب.
ويرى أن وقف الزخم أعاد للنظام الإيراني فرصة استعادة أوراق ضغطه، وأتاح له المناورة في فضاء الخلافات الأطلسية بين ترامب والحلفاء الأوروبيين، وغياب الإجماع الدولي الفعلي ضده على مستوى الإجراء لا الخطاب.
ويحذّر الزغول مما يصفه بأننا “ندخل مفاوضات بلا معنى لنغادرها إلى مواجهة”، مشيراً إلى أن العودة إلى المواجهة، إن حدثت، تستلزم أولاً وضوح الأهداف والاستراتيجية، وتوحّد الشركاء، أي أميركا وإسرائيل، على رؤية واحدة.
ويُنبّه إلى ما يعتبره غياباً لـ”خطة اليوم التالي”، مُشيراً إلى أن النظام الإيراني يراهن على أن البديل عنه هو الفوضى، وهو ما يجعل القوى الإقليمية المجاورة كتركيا وباكستان في موقف الرافض لأي تغيير جذري، مما يُقيّد الخيارات أمام ترامب، وفق تقديره.
مرحلة كسر العظم
يذهب الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي إلى أن الرد الأميركي الأخير جاء في إطار ما يُسمّيه “سياسة الضغط الأقصى المركّب”، المرتكزة على الملفات الرئيسية دون الدخول في الشؤون الفرعية، مُقدّراً أن مجرد قبول إيران بتسليم اليورانيوم سيفتح الباب لجلسات تفاوض.
بيد أنه يُعلن في الوقت ذاته أن المشهد يُشير إلى ما يصفه بـ”مرحلة كسر العظم”، مستشهداً بما يراه مؤشرات عملياتية بريطانية وإسرائيلية وأميركية وفرنسية تصبّ في هذا الاتجاه، بما فيها تعزيز بريطانيا لأنظمة دفاعية وتزويد مقاتلات تايفون بأنظمة توجيه متطورة.
ويُشير العزاوي إلى التقارب الباكستاني الإيراني، واصفاً إسلام آباد بـ”الوصيف لا الوسيط”، ومؤكداً أن سلوكها لا يُشي بحيادية حقيقية، وأنها اشترت الوقت لصالح طهران.
ويرى أن ثمة قناعة لدى الحرس الثوري بخوض ما يُسمّيه “المعركة الأخيرة”، مستعيناً بأسلحة ميدانية جديدة، مُقدّراً في الوقت نفسه أن القدرة الأميركية قادرة على تحييد هذه الإضافات في وقت قصير.
ويصف العزاوي قرار وقف العمليات بـ”الخطأ القاتل”، شارحاً أن منطق صنع القرار العسكري الأميركي يقوم على 4 مراحل: تجريد القوة، ثم تجريد القدرة، ثم الدخول في العمق.
وقد أُنجزت المرحلتان الأوليان، فيما أوقف ترامب المرحلتين الثالثة والرابعة، مُقدّراً أن ذلك أعطى الخصم فرصة التقاط الأنفاس وأضاع الزخم على الحلفاء.
وفي وصفه للبُعد الأوسع للأزمة، يرى أن ما يجري يرقى إلى “حرب عالمية بكل معاييرها”، مع انخراط المعسكر الشرقي بثقله إلى جانب إيران، مُقدّراً أن النظام الإيراني، رغم سردية الانتصار، “واهن جداً”.
الرهان على الخيار العسكري
يُضيف الباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية فادي حيلاني بُعداً داخلياً أميركياً، محذراً من أن الإدارة الأميركية قد تكون على “شفير هزيمة سياسية” في الانتخابات النصفية المُقبلة في حال لم يُترجم مسار الحرب إلى نتائج ملموسة. ويُشير إلى أن المزاج العام الأميركي بات يتساءل عن جدوى هذه الحرب في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وارتفاع أسعار الوقود.
ويرى حيلاني أن إيران باتت تُفسّر الهدنات الأميركية بوصفها ضعفاً، فبادرت إلى المماطلة ورفع سقف شروطها والتراجع عن مرونة سابقة.
ومن أبرز ما يُشير إليه أن ترامب لم يفرض الحصار على الموانئ الإيرانية حين فرضت إيران حصارها على هرمز، بل رفع العقوبات عن النفط الإيراني، وهو ما يعتبره “خطأ كبيراً”.
ويُؤكد حيلاني أن مضيق هرمز بات يُمثّل ما يصفه بـ”الخيار النووي الاقتصادي” الإيراني، وأن ما تُصدره طهران من بيانات تتحدث عن تنظيم مرور السفن عبر التنسيق مع قواتها المسلحة يُمثّل مؤشراً على توجه خطير.
ويرى أن المعادلة الاستراتيجية باتت صفرية، مُقدّراً أن إيران لن تتفاوض إلا تحت وطأة الضربات. ويخلص إلى أن ما يُرجّح أن يُناقشه ترامب في اجتماعاته مع مستشاريه ليس الخيارات الدبلوماسية بل العسكرية.
السردية والضربة: تشخيص معركة القلوب والعقول
يُضيف الباحق في الشؤون السياسية والاستراتيجية أمجد طه بُعد الحرب السردية الذي يرى أنه يُغفله كثير من التحليلات.
ويُلاحظ أن النظام الإيراني يُوظّف “اللغة العاطفية” في مخاطبة الشعوب، في حين يرى أن السردية الأميركية تعاني قصوراً، يُغذّيه الانقسام الحاد بين الإعلامين الديمقراطي والجمهوري في الداخل.
ويقترح طه أن تتبنّى واشنطن سردية إنسانية تُبرز معاناة ما يزيد على 22 ألف بحار عالق في مضيق هرمز جراء الإجراءات الإيرانية.
ويرى طه أن غياب قيادة سياسية فاعلة في إيران يجعل التفاوض مع طهران بالأساليب التقليدية غير مجدٍ، مُقدّراً أن القيادات العسكرية هي من تُدير المشهد فعلياً، لكنها غير قادرة على المضيّ في مفاوضات سياسية مع واشنطن.
ويرى أن الطرف الذي يتفاوض مع إيران فعلياً هو من يفعل ذلك ميدانياً. ويُنبّه إلى انشقاقات صامتة داخل الحرس الثوري يرى أنها قد تُفيد إسرائيل والولايات المتحدة في استهداف القيادات.
وفي ما يخص أوروبا، يرى طه أن الانقسام الأوروبي الأميركي وصل إلى مستوى غير مسبوق، محذراً من أن استمرار الجمود قد يُفضي إلى تداعيات تتجاوز المنطقة.









