تستضيف مدينة نيويورك الجمعية العامة للأمم المتحدة، وشاركت فيها مصر برئيس وزرائها، كما فعلت العديد من الدول الأخرى، بينما اقتنفت بعضها بوزرائها الخارجية. وكان من الممكن للسودان، بذكاء دبلوماسي، أن يتمثل بالمستوى نفسه، كأن يقود الوفد السوداني رئيس الوزراء كامل إدريس، ليجنب البلاد الدخول في معركة دبلوماسية مع الولايات المتحدة، وفي توقيت حرج. لكن السودان اكتفى بمن يرأس الوفد، وهو ما اعتبره البعض عدم تقدير للتعقيدات الأمريكية المحيطة بملف التأشيرة، ووضع سيادة الدولة بأكملها على طاولة سجال غير مفيد. وما حدث يبرهن أن مجلس السيادة السوداني في أمس الحاجة إلى مستشارين من أهل الحصافة والوعي والخبرة. فالمستشار الحاذق هو من يقرأ تفاصيل المشهد مسبقاً، ويتوقع خطوات الخصوم بدقة، ليحمي الدولة من مغبة الابتزاز السياسي. والقيادة ليست مجرد رغبة في السفر والمشاركة، بل هي إدراك ذكي للبدائل التي تحفظ هيبة الدولة وتمنع المتربصين من استخدام “حقوق المقر” كأوراق ضغط لفرض مساواة عرجاء بين الجيش ومليشيا آل دقلو الإرهابية. ولوم الحكومة لعدم قراءة المشهد لا يعني تبرير ما حدث، فمنع تأشيرة البرهان ابتزاز مفضوح وليس إجراء إدارياً عابراً. واشنطن أرادت توظيف “اتفاقية المقر” كسلاح تفاوضي لإجبار الحكومة على هدنة تمنح مليشيا آل دقلو فرصة لالتقاط الأنفاس. وهي غطرسة تسعى لاحتكار صكوك الشرعية، في تدخل سافر يعكس قمة الفوضى والصلف الدوليين. وهذا السلوك يجسد ازدواجية معايير بلغت حد القذارة السياسية، حيث تتشدق واشنطن بالديمقراطية وتدعم في ذات الوقت احتلالاً يرتكب الإبادة الجماعية (إسرائيل) وتسميه دفاعاً عن النفس، لكنها حين تأتي للسودان، تنزع الشرعية عن جيشه الوطني لتساويه بعصابة تمردت ومارست القتل والنهب والاغتصاب وتشريد المدنيين. وهذا التغول ليس غريباً على واشنطن، فالكل يشهد أن غطرستها لم تحترم حتى حياد الرياضة والملاعب، ففي يونيو الماضي، منعت تأشيرتها عن الحكم الصومالي الدولي عمر عبد القادر وحرمته من تحكيم مباريات كأس العالم رغم اعتماده من الفيفا. ومن لا يحترم صافرة حكم في ملعب، كيف له أن يحترم مواثيق الجمعية العامة للأمم المتحدة. المهم أن على الحكومة الثبات على موقفها المدعوم شعبياً، والتمسك بـ”إعلان جدة” كمرجعية أساسية لأي تفاوض أو سلام، ورفض أي هدنة أو تسوية تمنح المليشيا المنهارة فرصة إعادة تنظيم صفوفها. هيبة الدولة تُصان بالثبات في المواقف، فلتثبت القيادة سياسياً كما يثبت الأبطال ميدانياً، فالنصر يُصنع بالعزيمة و لا يستجدى من عواصم الابتزاز.
السودان والولايات المتحدة: معركة التأشيرة تضع هيبة الدولة على سكة الابتزاز السياسي.









