كشف تقرير نشره، الأربعاء، استنادا إلى مقابلات مع أكثر من 24 إيرانيا من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة، كيف تحولت الحرب المستمرة منذ 8 أشهر إلى أزمة معيشية تهدد مستقبل الأسر، وتدفعها إلى الاختيار بين احتياجات أساسية كانت قادرة على تلبيتها قبل سنوات.
حلم الطب ينتهي في منتصف الطريق
في إسطنبول، يستعد الشاب الإيراني شهريار، البالغ 25 عاما، للعودة إلى بلاده، بعدما أمضى عامين في دراسة الطب بتركيا.
كان والداه، وهما موظفان حكوميان، يحلمان بأن يصبح طبيبا، لكن انهيار قيمة الريال وارتفاع تكاليف الدراسة جعلا استكمال تعليمه خارج إيران أمرًا يفوق قدرتهما المالية.
وقال شهريار إن أسرته لم تعد تستطيع دفع الرسوم الدراسية لهذا العام، مضيفا أن عددا من أصدقائه يواجهون المصير نفسه.
لم تعد المشكلة مقتصرة على الطلاب الدارسين بالخارج، إذ يواجه الخريجون داخل إيران صعوبة متزايدة في العثور على وظائف.
وفي مدينة أرومية شمال غربي البلاد، تقول فيروزه، البالغة 23 عاما، إنها تبحث عن عمل منذ تخرجها في تخصص الإعلان، دون جدوى.
وتوضح أن الشركات تقلص ميزانياتها وتتوقف عن التوظيف، بينما يعمل كثير من زملائها في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم.
وتعكس الحالتان وجهين للأزمة نفسها، شباب يعجزون عن استكمال تعليمهم، وآخرون أنهوا دراستهم لكنهم لا يجدون فرصة لبناء حياتهم.
عائلة تفقد منزلها
في مدينة رشت شمالي إيران، لم تعد حميدة، البالغة 39 عاما، قادرة على الاحتفاظ بمنزل أسرتها.
فبعد فقدان زوجها وظيفته في مصنع صغير للبلاط خلال مايو الماضي، استنفدت الأسرة مدخراتها تدريجيًا، قبل أن تضطر للانتقال مع طفليها إلى منزل والديها.
وقالت حميدة إن زوجها لا يزال عاطلًا عن العمل، وإن الأسرة لم تعد تستطيع تحمل الإيجار.
وتشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع الإيجارات بنسبة 32.8 بالمئة خلال سبتمبر، مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
لا تقتصر الأزمة على السكن، إذ أصبحت رواتب كثير من العاملين عاجزة عن تغطية احتياجات أسرهم.
وفي أصفهان، يقول محمود، وهو موظف حكومي يبلغ 44 عامًا، إن راتبه الذي يقل عن مئة دولار لا يكفي سوى عشرة أيام.
ويضيف أن اضطراره وزوجته إلى رفض طلبات ابنتيهما لشراء ألعاب أو ملابس جديدة أصبح جزءًا من حياتهما اليومية.
الغذاء يلتهم الرواتب
تكشف الأرقام حجم الضغوط التي تواجه الأسر الإيرانية.
فبحسب بيانات رسمية، ارتفعت أسعار المستهلكين في سبتمبر بنحو 90 بالمئة مقارنة بالعام السابق، بينما قفزت أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 121.8 بالمئة.
ويبلغ متوسط الأجر الشهري نحو 92 دولارًا وفق سعر الصرف في السوق الحرة، مقابل نحو 336 دولارًا تمثل الحد الأدنى المقدر لتكاليف معيشة أسرة عاملة من ثلاثة أفراد.
وهذا يعني أن متوسط الأجر لا يغطي حتى ثلث الاحتياجات الشهرية الأساسية لهذه الأسرة.
وفي مدينة مشهد، يلخص محمد علي، وهو صاحب متجر يبلغ 47 عامًا وأب لطفلين، حجم الضغوط التي يعيشها، قائلًا إن أسرته فقدت الأمل في المستقبل، وباتت تخشى تجدد الهجمات الأميركية بقدر خشيتها العجز عن تغطية نفقات نهاية الشهر.
كيف وصلت إيران إلى هنا؟
بدأت الحرب في 28 فبراير الماضي ب ضربات أميركية وإسرائيلية ضد إيران، أعقبها إغلاق طهران مضيق هرمز وفرض حصار أميركي على الموانئ الإيرانية في الخليج.
وأدت الحرب إلى اضطراب التجارة والصادرات النفطية والإيرادات الحكومية، بينما زادت العقوبات الأميركية وتراجع قيمة الريال من تكلفة الواردات والمواد الخام.
لكن الأزمة لم تبدأ مع الحرب، إذ تعاني إيران منذ سنوات آثار العقوبات وسوء الإدارة الاقتصادية والتضخم.
وفي مؤشر على اتساع الضغوط، اعتذر وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده، الثلاثاء، عن ارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرًا إلى معاناة العمال والموظفين والمتقاعدين.
في المقابل، رفض محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، في تصريحات سابقة، الحديث الأميركي عن انهيار الاقتصاد الإيراني، واعتبره تصورًا غير صحيح.
هل تتحول الأزمة إلى غضب اجتماعي؟
لا تقتصر التداعيات على تراجع مستوى المعيشة، بل تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي.
فقد ارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 بالمئة خلال الربيع، فيما يعاني نحو ربع الشباب بين 15 و24 عامًا البطالة.
وتخشى السلطات، أن يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار وفقدان الوظائف إلى تجدد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنوات الماضية.
لكن بالنسبة إلى أسر مثل عائلة شهريار وحميدة ومحمود، تبدو الأولوية أكثر إلحاحًا من الحسابات السياسية: استكمال الدراسة، والاحتفاظ بمنزل، وتوفير احتياجات الأطفال.









