خلال قمة “ديفينس وان” للتكنولوجيا في ولاية فرجينيا قبل أسبوع، عرض جوزيف جويل، مساعد وزير الدفاع الأميركي للعلوم و التكنولوجيا، رؤية البنتاغون لحروب المستقبل، وهي رؤية تبدأ من سؤال بسيط: ماذا لو استطاعت القوات إنتاج جزء من احتياجاتها العسكرية من الموارد البيئية المتاحة حولها؟
وقال جويل إن قوات مشاة البحرية الأميركية أجرت تجارب في منطقة المحيط الهادئ استخدمت خلالها الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج شحنات متفجرة موجهة باستخدام عبوات مياه بلاستيكية وصخور بركانية مطحونة وألياف جوز الهند وبقايا القهوة.
وأضاف أن جميع النماذج نجحت في الانفجار، بينما حققت الصخور البركانية أفضل النتائج من حيث الفاعلية. وبحسب المسؤول الأميركي، فإن الهدف لم يكن اختبار مادة بعينها، وإنما اختبار مفهوم جديد للإنتاج العسكري يقوم على تحويل المواد المتوافرة محلياً إلى قدرات قتالية قابلة للاستخدام الفوري.
وقال إن هذه التجارب أظهرت إمكانية تصنيع الذخائر داخل مناطق العمليات بدلاً من الاعتماد الكامل على خطوط الإمداد التقليدية الممتدة عبر آلاف الكيلومترات. وأشار جويل إلى أن استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد أدى إلى خفض زمن الوصول إلى نقطة الاستخدام بنسبة تصل إلى 99 بالمئة. وأضاف أن الشحنات المنتجة بهذه التقنية أظهرت خصائص تركيز أفضل بنحو 25 بالمئة مقارنة ببعض النماذج المصنعة بالطرق التقليدية.
ويتصور البنتاغون مستقبلاً يمكن فيه نشر وحدات إنتاج متنقلة داخل حاويات شحن عسكرية، تضم طابعات ثلاثية الأبعاد ومواد أولية تسمح بإنتاج الذخائر مباشرة بالقرب من خطوط القتال. وقال جويل إن هذه الحاويات قد تنتج أيضاً وقود الديزل الحيوي ووقود الطائرات باستخدام الموارد المتوافرة في البيئة المحلية.
وجاءت هذه التصورات ضمن حديث أوسع عن الدروس التي استخلصتها الولايات المتحدة من الحرب في أوكرانيا. وقال جويل إن كييف وحلفاءها نجحوا في إدخال قدرات عسكرية إلى ساحة المعركة لم تكن موجودة عند اندلاع الحرب مع روسيا. وأضاف أن صناعة الطائرات المسيّرة الأوكرانية تطورت بسرعة كبيرة بفعل الحاجة العملياتية، ما سمح بظهور أنظمة جديدة خلال فترات زمنية قصيرة.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تمتلك من الموارد الصناعية ما يسمح لها بتكرار هذا النموذج على نطاق أوسع وأكثر تطوراً. واستشهد المسؤول الأميركي بقدرة أوكرانيا على تقليص دور الأسطول الروسي في البحر الأسود باستخدام أنظمة صغيرة الحجم يصعب اكتشافها ونشرها بأعداد كبيرة.
وقال إن الأسلحة المتطورة مرتفعة الكلفة ستظل جزءاً أساسياً من الحروب الحديثة، لكن ساحة المعركة تتجه بصورة متزايدة نحو الاعتماد على أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة. وأضاف أن التأثير العسكري الذي كانت تحققه سابقاً منصة قتالية واحدة يمكن أن تدعمه مستقبلاً مئات أو آلاف المسيّرات العاملة بشكل منسق والمدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ورأى أن التطور الطبيعي لهذا المسار يتمثل في انتقال المسيّرات من التحكم البشري المباشر إلى مستويات أعلى من التشغيل الذاتي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. وفي إطار تسريع الابتكار العسكري، تحدث جويل عن برنامج أطلقته وزارة الدفاع الأميركية لتسهيل وصول الشركات الخاصة إلى التكنولوجيا الحكومية.
وكان وكيل وزارة الدفاع للأبحاث والهندسة إميل مايكل قد أعلن في يناير الماضي برنامج “عطلة براءات الاختراع”، الذي يسمح للشركات باستخدام عدد من براءات الاختراع الحكومية مجاناً. وقال جويل إن البرنامج يشمل نحو 500 براءة اختراع، وقد حصلت 14 منها بالفعل على تراخيص للاستخدام التجاري، فيما لا تزال عشرات الطلبات الأخرى قيد الدراسة.
وتعكس هذه المبادرات، بحسب المسؤول الأميركي، تحولاً أوسع في مفهوم القوة العسكرية، حيث تتداخل التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي والتصنيع السريع مع مفاهيم الحرب التقليدية. وفي هذه الرؤية الجديدة، لا تُقاس القوة بعدد الدبابات والسفن الحربية فقط، بل أيضاً بسرعة تحويل فكرة أو مادة متاحة محلياً إلى قدرة قتالية جاهزة للاستخدام. ولذا، يرى البنتاغون أن قصة القهوة ليست أغرب ما في التجربة، بل أكثر ما يختصر شكل الحرب التي يستعد لها العالم.









