تؤكد أزمة المواصلات العامة في ولاية الخرطوم حدتها غير المسبوقة، ولم تشهدها حتى في أتون الحرب. خرجت عصر أمس الخميس عائدا إلى أمدرمان وبي إعياء تملك جسدي حيث أوصلتنا سيارة إلى محطة المجلس الوطني أو المحطة (20) وما بعدها وخبر محطاتها. بعد فترة جاءت حافلة صغيرة لكن كان التزاحم عليها نسائيا، فانتظرنا حتى خلا منها مقعد، لكن لم يكن حظ بعض النساء المزاحمات بأفضل من حظوظنا فقد امتلأت المقاعد دونهن. انتبهت بعدها لعربة بوكس توقفت وأخذت بعض الناس على سطحها الخلفي، ولما سألتهم عن وجهتهم، باغتني السائق مناديا أن أركب، وهو رجل معروف لدي، فحييته بالاسم وركبت وقوفا على ظهر البوكس. فلما بلغنا شارع الوادي قبالة الحارة السادسة، انتبه صاحب العربة أنه نسي مبلغا ماليا مهما في متجره بالخرطوم، فأعاد إليه، وجدت (ركشة تقلني ما بين شارع الوادي إلى شارع الشنقيطي عبورا لشارع النصف)، فرحت لذلك لأنني سأصبح على مسار المواصلات إلى سوق صابرين من شارع الشنقيطي في خط مستقيم، فالركشات لا تقطع المسافات الطويلة لحسابات الوقود بل تكتفي بما قلت مسافته وعلا مبلغه النقدي. انتظرت كثيرا وقوفا لأكثر من نصف ساعة في الشنقيطي ولا وسيلة أمامي، فالحافلات ممتلئة عن آخرها وطبقة من الركاب على سطحها، وتطلب الركشات فلا تستجيب حتى (التكتك) الذي أسعفني بالأمس حين حشرنا فيه صاحبه ونحن 25 شخصا بضعف سعر الحافلة لم يمر منه إلا مملوء بالبضائع أو الناس، فقد دخل التكتك عالم الحافلات في هذه الأزمة. انتبهت بينما يقارب المئة من الواقفين في تلك المحطة، فإذا بالناس يهرعون إلى عربة أمجاد كانت متوقفة على جانب الطريق، جاء صاحبها لشحن الركاب، بذلت وسعي في الجري فوجدت أمامي زحمة نساء أكثر من سعة العربة، لكن لاحظت سرعة بديهة رجل مسن بينما كانت النساء يزدحمن على مدخل الأمجاد، فتح باب الأمجاد من الاتجاه الآخر و(توهط) في مقعده وأوصد الباب. توقفت حافلة أمامنا، دنوت منها فإذا بالمتاح هو سطح العربة العلوي، تسابق الشباب اليه وثبا، بينما بقيت حبيس إعيائي وعدم مطاوعة جسدي حسيرا، فالتقطت هذه الصورة لهم وهم يثبون. بلغت بعد أن أظلم الليل صابرين ثم ظفرت بركشة إلى الحارة ثم توجهت إلى المستوصف القريب، فقال لي الطبيب لديك هبوط حاد في الدورة الدموية، وأجرى الفحوصات فجاء التشخيص (حمى الضنك)، وانهالت على أوردتي (الدربات)، فما دريت يا حكومة الخرطوم أيهما المرض (حمى الضنك) أم (ضنك المواصلات وأزمة الوقود).
أزمة المواصلات العامة في ولاية الخرطوم تصل حدتها غير المسبوقة.








