تتردد أنباء عن بوادر انخفاض نسبي في سعر العملة الأجنبية، لكن هذه المرة يبدو أنها مرتبطة بالتزامن مع ظهور كميات كبيرة من الدولار المزور في الأسواق الموازية الخاصة بتداول سعر الصرف، وليس نتيجة تحسن حقيقي في المؤشرات الاقتصادية.
ووفقًا للمعلومات المتداولة، فإن بعض فئات الدولار المزور أصبحت قريبة في شكلها من الدولار الحقيقي، مما أوقع عدداً من المتعاملين، خصوصاً الطماعين وتجار الأزمات، في الفخ.
وتثير هذه الظاهرة تساؤلات حول من الذي يدير هذه الحرب الاقتصادية ضد الدولة من داخلها، حيث إنها لم تعد مجرد مضاربات عابرة في سوق العملة، وإنما أصبحت مرتبطة بمنظومة أكبر تستفيد من الفوضى، ومن ضعف الرقابة، ومن حالة القلق التي يعيشها المواطن والتاجر على حد سواء.
كما يطرح السؤال حول مسؤولية المواطن في ظل هذه الأوضاع، حيث إنه ليس طرفاً هامشياً في المعادلة الاقتصادية، فالتعامل مع مصادر غير موثوقة، وقبول العملات دون التحقق منها، والانجراف وراء الأسعار الوهمية، والمضاربة بدافع الطمع والخوف، كلها ممارسات تساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تعقيد الأزمة.
وفي المقابل، فإن حماية المواطن لا يمكن أن تكون مسؤولية المواطن وحده؛ فالدولة مطالبة بتوفير أدوات الرقابة والحماية، وتجفيف منابع التزوير، وملاحقة المتورطين، وتوفير قنوات رسمية وآمنة للتعاملات المالية.
أما بالنسبة لأصحاب رؤوس الأموال، فإن التداول في الذهب داخل الأسواق المحلية قد يمثل أحد البدائل التي تستحق الدراسة، باعتباره أصلاً متداولاً ومفهوماً لدى السوق السوداني، مع ضرورة الانتباه إلى مخاطر الأسعار والسيولة والتعامل مع جهات موثوقة.
وفي الجانب المصرفي، فإن على بنك السودان المركزي مراجعة منظومة التحويلات والتطبيقات المالية العابرة للحدود، خصوصاً تلك القادمة من دول أو جهات قد تمثل مخاطر على الأمن الاقتصادي والمالي للبلاد، وأن تكون التحويلات الخارجية عبر القنوات الرسمية المعروفة داخل الجهاز المصرفي، وفق ضوابط واضحة وشفافة.
ولا ينبغي التعامل مع ما يحدث الآن باعتباره مجرد حركة عادية في سوق الصرف، خاصة وأن العملات المزورة تدخل إلى السوق، والأموال تتحرك عبر قنوات غير واضحة، والمواطن يبحث عن ملاذ آمن لرأس ماله، مما يعني أن المشكلة تتجاوز سعر الدولار نفسه.
نحن أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية اقتصادها، وقدرة المواطن على حماية ماله، وقدرة المؤسسات المصرفية والرقابية على حماية النظام المالي من الاختراق، والأخطر من ذلك أن يصبح المواطن نفسه، من حيث لا يدري، جزءاً من هذه المنظومة.
الحرب الاقتصادية لا تحتاج دائماً إلى مدافع ودبابات؛ أحياناً يكفي أن تضرب العملة، وتربك السوق، وتفقد الناس الثقة في النظام المالي.









