قبل خمس سنوات، في مايو 2021، زارت صحيفة “الشروق” خزان الروصيرص، وهو أقرب سدود السودان إلى سد النهضة، في وقت كانت فيه أزمة السد الإثيوبي لا تزال تدور حول مفاوضات الملء الأول والثاني. وقتذاك، لم يكن الحديث داخل غرفة التحكم يركز على احتمالات انهيار السد، بل كان يدور حول سؤال رئيسي: ماذا سيحدث إذا تغيرت تصريف المياه القادمة من إثيوبيا دون إخطار السودان؟
كان مسؤولو الروصيرص يؤكدون أن المشكلة لا تكمن في نقص المياه، وإنما في مفاجأة التشغيل وعدم تبادل المعلومات بين الجانبين الإثيوبي والسوداني. السد السوداني يعتمد على معرفة كميات المياه القادمة إليه وساعات وصولها، وأي تغيير مفاجئ في التصريف ينعكس مباشرة على تشغيل الخزان، ومحطات مياه الشرب، وبرامج الري، وحتى إنتاج الكهرباء.
هذه المخاوف لم تكن مجرد توقعات نظرية. ففي أثناء الملء الأول لسد النهضة عام 2020، سجل السودان انخفاضًا مفاجئًا في مناسيب النيل الأزرق، وتوقفت محطات لمياه الشرب بعدما ابتعدت المياه عن مآخذها، وهو ما وثقته “الشروق” خلال جولتها داخل السد.
اليوم، وبعد مرور خمس سنوات، تعود المشاهد نفسها إلى الواجهة. صور انحسار مياه النيل في عدد من الولايات السودانية، وظهور مساحات واسعة من قاع النهر، أثارت تساؤلات كثيرة، خاصة بعدما أعلنت وزارة الري السودانية أن واردات النيل الأزرق إلى بحيرة الروصيرص شهدت تراجعًا مؤقتًا نتيجة انخفاض تصريف المياه من سد النهضة خلال عدة أيام من شهر يوليو.
ورغم تأكيد الوزارة أن الانخفاض كان مؤقتًا وأن الوضع المائي مستقر، فإن ما جرى أعاد إلى الأذهان ما حذر منه مسؤولو الروصيرص قبل سنوات، وهو أن إدارة السدود السودانية أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بطريقة تشغيل سد النهضة، وليس فقط بكميات الأمطار أو حجم الفيضان.
اللافت أن السودان كان دائمًا يعتبر أن أخطر ما في أزمة سد النهضة ليس التخزين وحده، وإنما غياب آلية ملزمة لتبادل البيانات اليومية. فالمعلومة بالنسبة لمشغلي السدود لا تقل أهمية عن المياه نفسها. معرفة موعد التصريف وحجمها تمنح القائمين على تشغيل الروصيرص الوقت الكافي للتعامل مع أي تغيرات، بينما يؤدي غيابها إلى انخفاضات أو ارتفاعات مفاجئة في المناسيب، وهو ما ينعكس على محطات الشرب والري وتشغيل السدود.
لذلك، فإن مشاهد انحسار النيل التي شهدها السودان خلال الأيام الماضية لا يمكن فصلها عن التحذيرات التي رصدتها “الشروق” ميدانيًا قبل خمس سنوات من داخل الروصيرص. فما يحدث اليوم يعيد التأكيد على أن أزمة سد النهضة لم تعد مرتبطة فقط بسنوات الملء، وإنما بمرحلة التشغيل الدائم، التي تجعل أي تغيير في التصريف مؤثرًا بشكل مباشر على السودان.









