يرى تحليل نشرته منصة “مودرن دبلوماسي” أن جوهر الأزمة في السودان الآن لا يكمن في موازين القوى العسكرية على الأرض، بل في طبيعة التحالف القائم مع الإسلاميين (الإخوان) الذي يعتمد عليه قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان.
وأشار التحليل إلى أن العلاقة بين الجيش الذي يقوده البرهان والتيارات الإسلامية تمثل “سيفا ذا حدين”. فهي توفر دعما داخليا مهما للجيش على الأرض، لكنها في الوقت نفسه تضعف من قدرة قائده على بناء ثقة دولية، خصوصا لدى القوى الغربية والإقليمية التي تنظر بعين الريبة إلى هذا الارتباط.
وذكر أن التوافق الإقليمي الناشئ، والمتمثل في “الرباعية”، يقول بوضوح إن أي تسوية مستدامة في السودان يجب أن تستبعد التيارات الإسلامية من الجيش والسياسة المدنية على حد سواء. “ومع ذلك، لا يزال الجيش يعتمد بشكل كبير على التيار الإسلامي وكوادره، والميليشيات التابعة له، التي توفر الإطار الأيديولوجي والقدرة القتالية”.
وأشار إلى أن علاقة البرهان بالتيارات الإسلامية ليست أمرا عارضا، بل هي “نظام التشغيل” الفعلي لحكمه منذ الانقلاب على الحكومة المدنية الانتقالية في أكتوبر 2021.
وقال التقرير إن البرهان يعيش مأزقا في التوازن بين إيران، التي ترتبط بعلاقة قوية مع حلفائه الإسلاميين في السودان وتمده بالأسلحة التي يعتمد عليها في حربه ضد قوات الدعم السريع، وعلاقته مع الدول العربية الخليجية التي تتعرض لهجمات إيران.
ووصف التحليل هذا المأزق، إذ إن أي تقارب مع إيران يثير غضب الخليج والغرب. وفي المقابل، فإن التخلي عن هذا الدعم يغضب الإسلاميين ويضعف الجيش ميدانيًا. ما يخلق معادلة صعبة يصعب الخروج منها دون كلفة سياسية أو عسكرية.
وبحسب التحليل: “لا يقتصر الخوف في الخليج على عودة الإسلاميين إلى مؤسسات الدولة، بل يمتد ليشمل تحول نظام عسكري يائس وذو صبغة إسلامية إلى جسر لوجستي وسياسي لإيران. وبناء على هذا المنطق، فإن الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي التي تُسلَّم اليوم قد تُستخدم غدا بطرق تضر بمصالحهم الأمنية إذا مال الميزان الأيديولوجي داخل الجيش أكثر نحو التيارات الإسلامية”.
وقال التحليل إن صبر العالم بدأ ينفد. وباتت الرسائل الخارجية أكثر صراحة في التعبير عن ذلك. “عندما يتحدث المسؤولون في الولايات المتحدة والإقليم عن الحد من نفوذ الإسلاميين وتحجيم أنشطة إيران الإقليمية، فإنهم عمليًا يتحدثون عن إعادة تشكيل تحالف ما بعد الإسلاميين”.
وأضاف أن جولات العقوبات الأخيرة التي استهدفت التيار الإسلامي والشخصيات الإسلامية الموالية للجيش في السودان، وإصرار الغرب على ضرورة تحصين المؤسسات الأمنية السودانية من التيارات المرتبطة بالإخوان في أي مشروع لوقف إطلاق النار أو انتقال سياسي، “كلها إشارات إلى أن المقايضة القديمة، المتمثلة في التسامح مع الإسلاميين مقابل التعامل مع الجيش، لم تعد مقبولة”.
يقول التحليل إن “قائد الجيش البرهان يرسل رسائل دولية توحي باستجابته للضغوط الدولية والإقليمية للتخلي عن التيارات الإسلامية. ويتم ذلك عبر سلسلة من الإيماءات المدروسة والمتناقضة التي يقوم بها. من ناحية، يقوم بعمليات اعتقال انتقائية وشكلية لبعض قادة الميليشيات الإسلامية، ويرسل انتقادات شفاهية علنية لبعضهم كدليل على قدرته على ضبط جبهته الداخلية”.
وفي المقابل، يصف التحليل هذه التحركات بأنها “مُخرجة بعناية ليقرأها الدبلوماسيون الأجانب كدليل حسن نية. وفي الوقت نفسه، يضمن تحصين التيارات الإسلامية والعمليات الحربية من أي ضرر حقيقي”.
ونوه التحليل إلى أنه كلما استمرت الحرب يزداد نفوذ الإسلاميين بدلا من أن يتقلص. فهم يوفرون مقاتلين متحمسين وتماسكا أيديولوجيا في وقت يعاني فيه الجيش من الإنهاك والتشرذم. مشيرا إلى أنه مع تحول البرهان إلى “وجه مقبول” لهذا النظام الذي تشكل، بدلا من كونه قائدا لجيش وطني منضبط، فإن أي عملية تطهير حقيقية ستعني انتحارا فعليا هو يعلم ذلك.
وسلط التحليل الضوء على تراجع الثقة الدولية في قيادة عبد الفتاح البرهان، مشيرا إلى أن شركاء السودان الدوليين أصبحوا غير مقتنعين بقدرة القيادة العسكرية على ضبط الإسلاميين وتقديم مشروع سياسي واضح. ما يؤدي إلى ضعف الدعم الخارجي وتعقيد أي تسوية سياسية.
ويرى التحليل أن غياب مشروع سياسي واضح، إلى جانب الاعتماد المتزايد على التيارات الإسلامية وشبكات غير رسمية وميليشيات، يحدّ من فرص الوصول إلى تسوية شاملة. ويذهب إلى أن استمرار الحرب يعزز هذا الاتجاه. ما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف مؤسسات الدولة التقليدية ويجعل إعادة بنائها أكثر صعوبة، ويعقّد بناء دولة مركزية لاحقًا.
وخلص التقرير إلى أن أزمة السودان ليست في الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل هي أزمة بنية السلطة داخل الجيش نفسه وعلاقته بالإسلاميين والإقليم. وهو ما يقود إلى استنتاج مفاده أن أي تسوية مستقبلية لن تكون ممكنة دون معالجة عميقة لهذه البنية، وليس فقط عبر اتفاقات وقف إطلاق النار أو الترتيبات الأمنية بين طرفي النزاع.
وختم التقرير بأن “القوى التي تمكن البرهان من الاستمرار في الحرب هي نفسها التي تجعله شريكا غير مقبول للدول التي تملك القدرة على استقرار السودان”، مضيفًا أنه إلى أن يُحسم هذا التناقض، إما بإعادة تشكيل تحالفه جذريًا أو بتبني المشروع الإسلامي علانية، ستظل علاقاته مع الداعمين الخليجيين والغربيين عالقة في نمط من التعاون التكتيكي والارتباك الاستراتيجي، وستظل كل صفقة سلاح أو مبادرة دبلوماسية مطاردة بسؤال واحد: “لحساب من يحكم البرهان حقا؟”









