عاصر الصحفيون السودانيون جيلًا من النقد والخيبات، ولم يكن في توقعاتهم أن يجدوا أنفسهم أمام حكومة كامل إدريس تتساءلون إن كانت هذه هي خاتمة رحلتهم.
عايشوا حكومات الصادق المهدي، والجزولي دفع الله، وحكومات البشير، ثم حمدوك، ويتوجهون إلى الله بأن لا تكون حكومة كامل إدريس خاتمة سوء لهم.
ومما يزعزعهم أنهم طوال خمسين عامًا كانوا يواجهون سياسيين كبارًا، من نميري إلى البشير، ثم ابتلوا في أواخر أعمارهم بحمدوك، ومن بعده كامل إدريس، مما يدفعهم للتأمل في الدرك الذي انحدرت إليه البلاد.
يعرفون أن حكومة السيد إدريس آيلة للسقوط، مثل حيطة زبالة مائلة ومتداعية، لا يمكن إسنادها لتمنعها من الانهيار، ولا يُرجى إصلاحها، خاصة وأنها مشبعة بماء الفساد. وهكذا هي حكومة “البروف” كامل إدريس، أسوأ من حيطان الزبالة نفسها.
الأغرب أن الذين جاءوا بها أدركوا أخيرًا أنها ساذجة، لا تصلح لإدارة حانوت، فأعادوا توظيفها كخيال مآتة وتختة تنشين تُصب عليها اللعنات كل صباح.
منذ اعتلاء السيد كامل إدريس رئاسة الوزراء، كان الصحفيون متحفظين في نقد حكومته، مؤمنين بأن الرجل يحتاج إلى فرصة ليستوعب ما يجري في بلد ابتعد عنه نحو خمسين عامًا، وجاء إليه في ظروف بالغة التعقيد: حروب، وأزمات، وتآمر دولي، وغياب تام للمقومات الإدارية.
كان الصحفيون يؤمنون أن من ترك نعيم سويسرا وجاء ليعين بلده في هذا الجحيم يستحق العون، وأن اعوجاجاته وقلة خبرته يمكن علاجهما بالصبر، وأن “الأبام بتوريهو”.
لم ينتظر الصحفيون منه معجزة توقف الحرب أو تبدد أزمات البلاد، بل انتظروا ما هو أقرب إلى خبرته المعلنة: إعادة بناء مؤسسات الدولة، ووضع قواعد واضحة للعمل، وتقديم تصور يمكن مساءلة حكومته على أساسه. لكن الخيبة بدأت من المسافة الشاسعة بين ما توقّعوه وما رأوه.
كان الصحفيون يظنون، بحكم عمله الطويل في المنظمات الدولية، أنه الأقدر على إصلاح الخراب المؤسسي الذي خلفته الحرب، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام ورم ألمّ بالسودانيين: حرب، وفقر، وجوع، وحكومة بلا خيال ولا رؤية ولا همة إلا قليلاً، يرأسها كامل إدريس.
في ملتقى الإعلاميين الأخير بالخرطوم، رأى الصحفيون من رئيس الوزراء ما بدّد ما تبقى لديهم من أمل في حكومته. شاهدوه، بل وشاهده العالم، وهو يختطف الميكروفون من فوق المنبر، فاقدًا أعصابه، يصرخ، مما دفعهم للتساؤل: أهذا رئيس وزرائهم، أم أراجوز في مسرحية كوميديا سوداء؟
خرجوا من قاعة فندق روتانا مستذكرين مسرحية “وجه الضحك المحظور” لصديقهم الراحل هاشم صديق، الذين لو كان حيًا لأضاف فصلًا مدهشًا، يبدع فيه علي مهدي مشهداً لا أروع منه، تموت فيه من الضحك من كائن لا يُخفي خفّته.
إن كان شرّ البلية ما يُضحك، فإن حكومتهم الموقرة قد تجاوزت مرحلة الإضحاك إلى مرحلة الشر المستطير. وفي انتظار تلك القصة، لا يملكون إلا أن يدعوا بأن لا يعاجلهم أحد بـ”بروفيسور” جديد يُنسينا أيام كامل إدريس، فقد أثبتت التجربة أن كل حكومة تأتي في هذا البلد تجعلهم يترحمون على سابقتها، ولله في خلقه ووزرائه شؤون.








