Home / سياسة / عجيب يكشف تفاصيل اعتقاله وسط نظام أسرى الجيش في سجن سوبا.

عجيب يكشف تفاصيل اعتقاله وسط نظام أسرى الجيش في سجن سوبا.

عجيب يكشف تفاصيل اعتقاله وسط نظام أسرى الجيش في سجن سوبا.

كشف الصحفي عبدالله عجيب تفاصيل اعتقاله في سوبا بالخرطوم، خلال أيام سيطرة المليشيا على العاصمة قبل أن يتمكن الجيش السوداني من طردها. وفي مقال بعنوان “في المعتقل.. أسرى الجيش يفرضون نظامهم”، قال عجيب إن سجن سوبا كان آخر محطات الاعتقال التي تعرض لها من قبل مليشيا الدعم السريع، بعد ترحيلهم إليه من معتقل البدروم بالرياض الذي وصفت بأنه أشبه بالقبر الذي تدخل إليه حياً ثم يهال عليك التراب.

توقع المعتقلون أن يكون الوضع في السجن أفضل على الأقل، وأن يتمكنوا من ممارسة عادة الشهيق وسنجد الهواء الذي يملأ الرئة المتعبة، وأن يفارقوا التكدس ومجاور أكوام النفايات المتراكمة وجرادل الفضلات، وأن يجدوا الماء للإستحمام، ويمكن أن يعطونا ملابس بدلاً من التي بقيت ملتصقة بأجسادهم منذ لحظة الإعتقال. في سجن سوبا، كانت هناك فرصة للنجاة، ويمكن أن يتم اعتبارهم آدميين ويعاد النظر في أمرهم بواسطة من قالوا إنه المستشار القانوني وأشاعوا أنه يكتفي بإصدار عقوبة الحبس لشهر أو إثنين. أما في حالة عجيب، فقد كان أمل النجاة منعدماً وإن كان يخادع نفسه بأنه ضعيف، بعد أن تصنيفه “نظامي” مع تدبيج تهم تصل درجتها للإعدام “إفشاء أسرار عسكرية والتعاون مع العدو”, وكما قال المتحري: أي صحفي عندنا مصنف عدو وأنت بالذات بقطّعك بقطّعك، ولعله قصد قطع عربة الترحيل لمزلقان السكة حديد وصولاً إلى معتقل البدروم أو أنني سأقطع تذكرة سفر إلى الآخرة من داخل هذا القبو القمئ.

لم يكن الوضع بأفضل بكثير في السجن، حيث تم حشرهم بالعشرات في عنبر (13) الذي كان مخصصاً لأسرى الجيش وبقية القوات النظامية منذ حوالي العام وربع العام. لفت نظره أن مجموعة الأسرى (ومعظمهم ضباط صف وفيهم عدد كبير من المساعدين) استطاعوا الاحتفاظ بهويتهم داخل عنبر (13) وفرض نظام لم تستطع مليشيا الدعم السريع انتزاعه منهم، هذا النظام يقوم على الانضباط العسكري وروح الجماعة والالتزام بالتراتبية.

كان هناك حكمداراً عاماً للعنبر، يسير شؤونه ويطوع الحياة القاسية داخله. بدأ الأمر لي في الأيام الأولى مجرد ترتيب داخلي بين مجموعة من العساكر، لكن بعد حوالي يومين أو ثلاثة جاءه الحكمدار وأبلغه أنهم تأكدوا من أنه ليس نظامياً، وأنهم سيضعونه ضمن الذين تم حصرهم في لستة المدنيين؛ هذه اللستة سيتم رفعها إلى المشرفين على العنابر، وفي حال اعتمادها سيكون الأمر جيداً بالنسبة له وإذا لم تعتمد “فسيكون لك شرف أن أكون في صف إخواني الأسرى”. والحمد لله تم اعتماد هذه اللستة بنفس التصنيفات التي تم رفعها، فالدعامة عسكريتهم مدعاة لم ترفع لهم جهلاً أو تجعل لهم قدراً، لذلك لا يطيقون عمليات حصر ومعرفة من أسروهم أو اعتقلوهم، وعلى ذلك قدر الله أن يصنف مع المدنيين، وهو ما مهد لخروجه لاحقاً من هذا الجحيم بفضل من الله.

قام الحكمدار بتوزيع المرحلين الجدد على المجموعات التسع المشكلة من قبل، ولكل مجموعة رئيسها الذي يشرف على عمليات استلام حبيبات الأرز التي تأتي إما نيئة أو محترقة؛ لا يذهبن جوعاً أو يقمن صلباً؛ لكن يتم توزيعها على أفراد المجموعة على كل حال، ورئيس المجموعة كذلك يقوم بتوزيع المهام اليومية مثل جلب المياه ووضع لوائح عدم الإسراف وتوزيع الماء بجرعات معلومة حتى يكفي لليوم التالي.

كان لأسرى الجيش نظامهم الخاص، وقواعدهم غير المكتوبة، وتسلسلهم القيادي الذي حافظوا عليه حتى وهم في الأسر، كان كل شخص يعرف موقعه، ومن يتحدث باسم المجموعة، وكيف تنظم شؤون العنبر، وكيف تدار الخلافات وتوزع المسؤوليات.

البرنامج الوحيد الذي يُشعرهم أنهم مازالوا بشراً كان اجتماع لجنة الحكماء كل ليلة بعد صلاة العشاء، وهو أشبه بمحكمة العمد؛ ويحرص جميع المعتقلين على حضور هذا البرنامج وعدم تفويته. كانت اللجنة المكونة من 10 أعضاء وتبت في البلاغات اليومية وتستمع إلى الشكاوي، وتستمع إلى المُبلغ وتستجوب المتهم وتطلب شهادة الشهود، ويقوم أعضاءها بإبداء الرأي، وبعد ذلك يصدر الحكم بتحديد المخطئ والعقوبة التي تتراوح بين الإنذار أو نظافة العنبر لمدة محددة.

وجدوا أنفسهم جزءاً من هذا الواقع الجديد، فالجنود بحكم خبرتهم وانضباطهم، ساهموا في ضبط إيقاع الحياة داخل العنبر، كانوا يتعاملون مع الظروف القاسية باعتبارها وضعاً ينبغي التكيف معه دون الاستسلام لفوضاه.

الأمر الأكثر أهمية أن هذا الانضباط جعل تدخل عناصر المليشيا في شؤون العنبر في أضيق نطاق؛ ويبدو أن هيبة العسكرية الحقيقية، كانت تدهشهم وتجعلهم يعرفون مدى وضاعتهم وهوانهم على الناس. فرض أبطال الجيش والقوات النظامية، بطريقة مباشرة وغير مباشرة ما يمكن أن نسميه مساحة من الاستقلال الداخلي، وإدارة التفاصيل اليومية وفق نظامهم الخاص.

كانت المشاهد اليومية بالغة الدلالة، ومن بينها ذلك المشهد الذي ظل عالقاً بخاطره، فقد تم جمع عدد من النظاميين الأسرى وقام بمخاطبتهم اللواء عيسى بشارة ومجموعته؛ وقد حاولوا في أحاديثهم التقليل من شأن الجيش وقيادته، فانتفض الأسرى في وجههم وطلبوا منهم الكف عما يقولون وأفهموه بعبارات قوية ما معنى الجيش وماذا تمثل لهم العسكرية، حينها لم يملك عيسى بشارة إلا أن يغير وجهة الحديث ويبعث تطمينات كاذبة بأنهم سيبادرون لإطلاق سراحهم رغم عدم وجود اتفاق لتبادل الأسرى.

معروف أن أي معتقل في الأصل هو مكان تسلب فيه إرادة الإنسان، وتصبح حياته اليومية خاضعة لمن يملك مفاتيح الأبواب، لكن خلال فترة الاعتقال، قلب النظاميون هذه المعادلة وكأنهم يرددون مع ود الأمين:
مساجينك تغرد في زنازينك..
برغمك نحنا مازلنا
بنكبر بي زلازلنا
بنعشق في سلاسلنا
بنسخر من زنازينك..

وبالنسبة للمدنيين، كان وجود النظاميين تجربة لا تنسى، فقد رأوا شموخاً لم تكسره ليالي الأسر الطويلة، وقوة وجلداً منحتنا القدرة على الثبات ومقاومة الظالمين بالصلاة والدعاء عليهم.

وقد يكون هذا أحد أهم الدروس التي خرجوا بها من تلك التجربة، فالعسكرية تتعدى إصدار الأوامر أو محاولة فرض الانضباط في الثكنات أو المعارك، هي ثقافة راسخة تظل حاضرة حتى عندما يفقد الإنسان سلاحه وحريته وموقعه.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *