كشف تقرير لفريق خبراء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، المنبثق عن القرار 1591، عن جانب آخر من شبكة الإمداد الإقليمية التي تتيح لمليشيات تدعمها أبوظبي والحركة الشعبية (جناح المعارضة) الاستمرار في الحرب في السودان. يتتبع التقرير طريقاً للوقود يمتد من جنوب السودان عبر منطقة أبيي إلى غرب كردفان ودارفور، كما يوثق عملية تجنيد مرتزقة من جنوب السودان للقتال مع المليشيا قادها الجنرال الجنوبي المعارض ستيفن بواي رولنيانغ.
وستيفن بواي ضابط مخضرم من أبناء النوير في مقاطعة مايوُم بولاية الوحدة. بدأ مسيرته العسكرية في قوات “أنانيا 2″، ثم التحق بالجيش الشعبي لتحرير جنوب السودان، وتدرج في مواقع القيادة حتى تولى قيادة الفرقة الرابعة مشاة في بانتيو بولاية الوحدة، والشرطة العسكرية، كما قاد الفرقة الخامسة في واو وعمل في إدارة المشتريات بوزارة الدفاع. اعتُقل عام 2018 إثر اشتباكات مع قوات حكومية في مايوُم، ثم حاكمته محكمة عسكرية وخفّضت رتبته وطردته من الجيش. وبعد خروجه من الجيش الشعبي، أسس عام 2021 “الجيش الشعبي لتحرير جنوب السودان” وتحول إلى أحد قادة المعارضة المسلحة لنظام سلفا كير.
وفي يناير 2024، اتهمته سلطات جنوب السودان بالتنسيق مع مليشيا الدعم السريع لاستهداف حقول النفط، فأنكر يومها وجود أي صلة بينه وبين المليشيا. لكن ما أثبته فريق الخبراء في تقريره الجديد يؤكد تلقي الفريق معلومات تفيد بأن بواي يجند مقاتلين لمصلحة الدعم السريع في مقاطعتي ربكونا ومايوُم بولاية الوحدة بيت النوير، مستفيداً من الصلات التي بناها وسط العسكريين خلال قيادته السابقة للفرقة الرابعة والشرطة العسكرية. وعندما تواصل معه الفريق، لم ينفِ ضلوعه في عملية التجنيد، وإنما قال إنه لم يحصل على منفعة مادية منها. وجاء نص التقرير: «وعندما تواصل الفريق مع ستيفن بواي، لم ينفِ ضلوعه في تجنيد مقاتلين لمصلحة قوات الدعم السريع، لكنه قال إنه لم يحصل على أي منفعة مادية من ذلك النشاط».
أما تقرير بعثة تقصي الحقائق، فيؤكد من جهة أخرى وجود مقاتلين من جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا، بينهم نساء، داخل تشكيلات الدعم السريع، ويقول إنهم عملوا أساساً في الخطوط الأمامية، بخلاف المرتزقة الكولومبيين الذين تولوا تشغيل المسيّرات والمدفعية والدفاع الجوي وأداء المهام الفنية المتقدمة.
ولا يقتصر الوجود المرتبط بالمليشيا على تجنيد أفراد داخل ولاية الوحدة. فقد أثبت فريق الخبراء احتفاظ مليشيا الدعم السريع بوجود داخل جنوب السودان في مقاطعة كافي كنجي بولاية غرب بحر الغزال، وربكونا بولاية الوحدة، ومابان والرنك وفشودة في أعالي النيل. كما وثق كميناً قادته المليشيا في مارس 2026 ضد وحدة من الجيش الشعبي في المعارضة قرب دُك دُك، على مسافة نحو خمسين كيلومتراً جنوب غربي الرنك، وأسفر عن مقتل عدد من كبار ضباط الحركة. وكانت مليشيا الدعم السريع قد هاجمت في مايو 2025 قاعدةً للحركة في قاريا بولاية الوحدة قرب حدود غرب كردفان. ومع ذلك، لم يجد الفريق دليلاً على وقوع اشتباكات بين المليشيا وقوات دفاع شعب جنوب السودان خلال الفترة التي يغطيها التقرير.
وبالتوازي مع استجلاب المقاتلين، حوّلت المليشيا منطقة أبيي إلى معبر رئيسي لشراء الوقود ونقله إلى جبهاتها. ويقول فريق الخبراء إن وجودها العسكري في أبيي بدأ في خريف 2025، متزامناً مع الهجرة الموسمية لرعاة المسيرية. ولأن أعداداً من أبناء المسيرية يخدمون في مشاة الدعم السريع، استطاعت المليشيا إخفاء انتشار عناصرها وتحريكهم وسط حركة السكان الموسمية المعتادة. وكان الوقود يصل من تجار جنوب سودانيين عبر كواجوك في ولاية واراب إلى سوق النعام في أبيي. وسجل التقرير أن سعر الجركانة بلغ نحو 28 دولاراً، بينما بلغ سعر البرميل 280 دولاراً. وأقامت المليشيا نقاطاً عسكرية قرب السوق وفي قولي ودفرة لحماية الطريق وتأمين حركة الشحنات.
ويمتد خط الإمداد الرئيسي على المسار الآتي حسب التقرير: كواجوك في جنوب السودان ← سوق النعام في أبيي ← قولي ← علال ← بندل ← فاروق ← المجلد. ومن مستودعات المجلد، كان الوقود يوزع على قوات المليشيا التي تقاتل في اتجاه بابنوسة، أو يُنقل إلى نيالا في جنوب دارفور المحتلة. كما حدد التقرير طريقاً بديلاً يصل إلى نيالا عبر: جوبا ← واو ← راجا ← كافي كنجي ← نيالا. ولا ينسب التقرير هذه الإمدادات إلى قرار رسمي من حكومة جنوب السودان؛ بل يحدد شبكة شراء تقودها مليشيا الدعم السريع، وتجاراً من جنوب السودان، وأسواقاً ومسارات تمتد عبر أراضي جنوب السودان وأبيي. لكنه يثبت أن هذا المجال الحدودي أصبح جزءاً عضوياً من اقتصاد الحرب الذي يغذي احتلال مناطق في غرب السودان.
وتتعزز الشبهات المحيطة بهذا العمق اللوجستي بالمستشفى الميداني الذي أقامه داعمو المليشيا في مادهول بمقاطعة أويل الشرقية، على بُعد 64 كيلومتراً فقط من الحدود السودانية. يضم المستشفى مئة سرير ووحدات للطوارئ والعناية المكثفة، وجهزته أبوظبي وشغلته في بدايته بطواقم ومتخصصين إماراتيين. وفي مارس 2026، أفادت صحيفة “لوموند” بأن المليشيا تستخدم ثلاثة مستشفيات لعلاج مصابيها القادمين من جبهة كردفان، أحدها في أويل، إلى جانب مستشفيي كاودا والضعين. ويرجح أن المقصود هو مستشفى مادهول. وكانت تقارير محلية قد تحدثت عن استقبال المستشفى مصابين نُقلوا من جبهات المليشيا داخل السودان.
أما بعثة تقصي الحقائق، فقد خاطبت حكومة جنوب السودان بشأن المقاتلين الأجانب والأنشطة العابرة لأراضيها. طلبت جوبا مهلة إضافية للرد، ثم لم تقدم جواباً موضوعياً. ولذلك دعتها البعثة إلى التعاون في ضوء ما جمعته من أدلة عن أنشطة غير مشروعة تنطلق من أراضي جنوب السودان أو تمر عبرها.









