تراجع ظهور عبدالله حمدوك لم يعد غياباً عابراً، بل انكماش سياسي صريح فرضته تحولات الميدان وتغيرات موازين القوى في السودان. هذا التراجع يثير تساؤلاً مباشراً: هل هو مراجعة ذاتية متأخرة أم نتيجة حتمية لمسار تجاوزه الواقع؟
المعطيات الميدانية تشير إلى أن الخيار العسكري للدعم السريع ينحسر، والمزاج الدولي يتغير، ومشروع حمدوك السياسي عجز عن إحراز أي تقدم فعلي. الأهم من ذلك أن حمدوك خسر بوصلته وخسر معها القاعدة المدنية الواسعة التي رأت فيه رمزاً للانتقال المدني. بعد أن صافح محمد حمدان دقلو “حميدتي” علناً في أديس أبابا وأسس معه تحالف “صمود”، تحول حمدوك من رمز للمدنية إلى شريك سياسي لطرف في الحرب، قرار كلفه مصداقيته بالكامل وجعله في الداخل السوداني جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل.
اليوم تكشف هزائم الدعم السريع المتتالية حجم هذا الفشل. في عام 2026 شهدت قوات الدعم انهياراً ميدانياً واضحاً بانشقاق قادة كبار مثل النور قبة، وخسائر فادحة في الآليات بكردفان ودارفور مع تقدم متواصل للقوات المسلحة. الدعم الذي رُوّج له كقوة لا تُقهر بات يلجأ لقصف عشوائي بالمسيرات على المدنيين والبنى التحتية لتعويض خسائره على الأرض. هذه الهزائم ليست نكسات عسكرية فقط، بل إعلان نهاية لأي رهان سياسي بُني على التمرد كورقة رابحة.
بالتزامن، فضحت المسيرات المنطلقة من مطار بحر دار في إثيوبيا حجم العزلة والتخبط. في مايو 2026 استهدفت مسيرات مطار الخرطوم الدولي وقاعدة وادي سيدنا ومواقع حيوية أخرى، واتهم السودان جهات إقليمية بالتورط المباشر مستنداً إلى أدلة تتعلق بمسيرات انطلقت من بحر دار بدعم من الداعم الرسمي الإقليمي للدعم السريع، ما دفع السودان لاستدعاء سفيره من أديس أبابا. هذه الهجمات لم تحقق أي مكسب عسكري بل زادت عزلة التمرد دولياً وشعبياً، وارتباط حمدوك بهذا المسار جعله شريكاً في فضيحة إقليمية.
فشل المسارات الدبلوماسية أكمل مشهد الانكماش. بعد إعلان أديس أبابا عام 2024 الذي لم يثمر، تكررت المحاولات في نيروبي ولندن وبرلين خلال 2025 و2026. رفضت حكومة السودان مؤتمر برلين الأخير في أبريل 2026 واعتبرته تدخلاً ووصاية، فخرج بلا نتائج عملية. هناك مؤتمرات أخرى شارك فيها حمدوك أو دعمها مدنياً لكنها فشلت في كسر الجمود، وصارت دليلاً على رهان خاسر على تحالفات تتراجع بدلاً من خيار وطني جامع.
وفي كل هذه المحطات، كان الموقف السعودي حاسماً. رفضت الرياض محاولات تدويل الأزمة والمساس بالسيادة السودانية، وأجهضت تلك المؤتمرات ببياناتها المحذرة وحضورها الرافض لأي وصاية خارجية، مؤكدة أن الحل سوداني خالص لا يُدار من العواصم البعيدة.
اليوم يجول حمدوك العواصم الأوروبية ويكتب المقالات ويصرح بعدم وجود حل عسكري، لكنه في الداخل السوداني بات هامشياً ومرفوضاً، سواء كان تحركه هروباً للخارج أو قناعة شخصية. النتيجة واحدة: مشروع حمدوك السياسي وصل طريقاً مسدوداً بسبب فقدانه البوصلة وارتباطه بطرف يتلقى الهزائم وتطارده الفضائح.
الأيام المقبلة ستكشف الخيار الأخير: هل يحاول العودة بخطاب جديد يقطع مع التحالفات الفاشلة، أم ينسحب بهدوء من مسرح لم يعد يملك فيه أي أوراق؟
الواقع يقول إن الرهان على الدعم السريع كان خسارة تاريخية، وإن تحالف “صمود” الذي بُني على رمال متحركة صار عنواناً لفشل مدني انحاز للتمرد على حساب الشعب وسيادة السودان.
السودان يتغير على الأرض، والتاريخ لا يرحم من أضاع بوصلته. مشروع حمدوك انكمش، ومعه انكمش أي أمل بدور مستقبلي له داخل الساحة السودانية.









