سجلت درجات الحرارة في مدينة بورتسودان 50 درجة مئوية في ظل انقطاع للكهرباء في المدينة استمر لأكثر من 18 ساعة يومياً، الأمر الذي تسبب في ضربات شمس وطفح جلدي عانى منه الأطفال وكبار السن.
وقال صحفي إنه مع كل عام، ومع أول موجة حر، تبدأ معاناة مواطني بورتسودان مع الكهرباء. تتغير البيانات الرسمية، وتتبدل التبريرات، لكن النتيجة واحدة: ساعات طويلة من الظلام، وحرارة لا تطاق، ومواطن يدفع وحده ثمن أخطاء لا علاقة له بها.
ورغم إعلان وزارة الطاقة عن إصلاح العطل في الخط الناقل مروي–عطبرة، وأن الإمداد الكهربائي سيعود إلى مدينة بورتسودان، فإن القطوعات القاسية ما تزال مستمرة، لتصل إلى نحو 18 ساعة يومياً، في صيف يعد من أقسى فصول الصيف التي مرت على المدينة.
لم تعد الكهرباء مجرد خدمة، بل أصبحت مسألة حياة أو موت. المرضى وكبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة يعيشون أوضاعاً بالغة القسوة، وبدأت بالفعل تظهر حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس، في وقت يفترض أن تكون فيه كل مؤسسات الدولة في أعلى درجات الاستعداد لمواجهة موسم معروف سلفاً.
المثير للدهشة أن الأزمة تتكرر كل عام بالطريقة نفسها، وفي التوقيت نفسه، وبالتفاصيل نفسها. وكأن شيئاً لم يحدث في الأعوام السابقة، وكأن أحداً لم يستفد من الدروس، أو يراجع أسباب الفشل، أو يضع خطة تمنع تكرار الأزمة.
وأشار الصحفي إلى أنه عضو في لجنة كهرباء كلاناييب، موضحاً أن الاجتماع الذي عقد قبل أشهر من دخول فصل الصيف مع مسؤولي الكهرباء الاتحاديين تضمن مناقشة ملف البارجة الكهربائية كحلول محتملة. وتلقت اللجنة تطمينات بأن دخول البارجة الخدمة خلال الصيف سيخفف الضغط على الشبكة ويجنب المدينة القطوعات القاسية.
لكن الواقع الذي يعيشه الناس اليوم يفرض أسئلة مشروعة لا يمكن تجاهلها. إذا كانت البارجة الجديدة معروفة منذ وقت طويل، فلماذا لم يكن موقعها مجهزاً بصورة كاملة قبل بداية الصيف؟ ولماذا لم تُستكمل كل الترتيبات الفنية والإدارية حتى تبدأ العمل فور وصولها؟ وإذا كانت الحاجة إليها في أشهر الحر، فما الفائدة من دخولها الخدمة بعد انتهاء ذروة الصيف؟
هذه ليست أسئلة للمزايدة، وإنما أسئلة يطرحها كل مواطن يعيش ساعات طويلة بلا كهرباء، وكل مريض يبحث عن جهاز تكييف أو مروحة، وكل أسرة تقضي معظم يومها في حرارة خانقة.
الإدارة الناجحة لا تنتظر وقوع الأزمة حتى تتحرك، بل تخطط لها قبل أشهر. فالصيف ليس مفاجأة، وارتفاع الأحمال ليس حدثاً استثنائياً، وبورتسودان ليست مدينة عادية، بل العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد، والميناء الرئيسي الذي تعتمد عليه الدولة في حركة التجارة والإمدادات.
من المؤسف أن يتحمل سكان بورتسودان، عاماً بعد عام، نتائج القصور في التخطيط أو التأخير في التنفيذ أو أي أسباب أخرى، بينما لا يرون سوى البيانات والتطمينات، في وقت يتحدث فيه الواقع بلغة مختلفة تماماً.
إن المواطن لا يريد وعوداً جديدة، بل يريد كهرباء مستقرة، وخطة واضحة، ومصارحة بالحقائق، ومحاسبة لكل تقصير أدى إلى هذه المعاناة التي تتكرر بلا نهاية.
لقد صبر أهل بورتسودان كثيراً، لكن من حقهم أن يسألوا: لماذا تتكرر الأزمة كل صيف؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم الجاهزية؟ ولماذا يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في كل مرة؟
إن ما تعيشه المدينة اليوم يستوجب مراجعة جادة، ومحاسبة حقيقية، وتغييراً في أسلوب إدارة هذا الملف، لأن استمرار تكرار الأخطاء لم يعد مقبولاً، ولأن الكهرباء في هذا الحر لم تعد خدمة ترفيهية، بل أصبحت حقاً أساسياً لا يحتمل التأجيل أو التسويف.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة: إلى متى سيظل سكان بورتسودان يعيشون في جحيم الصيف، بينما تتكرر الأخطاء نفسها، ويتحمل المواطن وحده ثمنها؟









