لم يعد ما يجري في ولاية النيل الأزرق مجرد تطور عسكري جانبي في الحرب السودانية. فمن وجهة نظر، نحن أمام إعادة تشكيل مهمة لخريطة الصراع، عنوانها الأساسي فتح جبهة جنوبية شرقية قادرة على استنزاف الجيش السوداني، وتهديد الدمازين، وخلق عمق استراتيجي جديد لقوات الدعم السريع وحلفائها بالقرب من الحدود الإثيوبية.
والأهم من الهجمات نفسها هو السؤال الذي يجب أن نطرحه: من أين تأتي القدرة على استمرار هذه العمليات، وكيف تتحرك خطوط الإمداد والعتاد والمقاتلين؟
فمنذ بداية عام 2026، تحولت منطقة النيل الأزرق إلى واحدة من أكثر ساحات الحرب حساسية. وتمكنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها، بما في ذلك الحركة الشعبية–شمال، من التقدم في أجزاء من الولاية، والسيطرة على الكرمك في مارس، قبل أن يعلن الجيش السوداني استعادتها في يوليو. وهذا التبدل السريع في السيطرة يكشف أن المعركة ليست على مدينة واحدة، وإنما على ممر استراتيجي كامل بين الحدود الإثيوبية وعمق النيل الأزرق.
لماذا النيل الأزرق؟
أرى أن أهمية النيل الأزرق تكمن في موقعه أكثر من مساحته العسكرية فالولاية تفتح باتجاه إثيوبيا، وتقترب من مناطق حيوية مثل الدمازين وسد الروصيرص، كما أن السيطرة على المناطق الحدودية تمنح أي قوة مهاجمة إمكانية المناورة وفتح خطوط إمداد بعيدة نسبياً عن الضغط المباشر للقوات الحكومية.
ولهذا فإن الكرمك وقيسان ليستا مجرد بلدتين حدوديتين. إنهما جزء من بوابة استراتيجية يمكن من خلالها الضغط على الجيش السوداني من الجنوب الشرقي، وقد سبق أن تحدث مسؤول سوداني رفيع في ديسمبر 2025 عن استعداد الجيش لهجوم محتمل للدعم السريع وحلفائه على الكرمك وقيسان انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية.
إثيوبيا.. الحلقة الأكثر حساسية
هنا ندخل إلى الجزء الأكثر تعقيداً في المشهد، هناك تقارير صحفية وتحقيقات تشير إلى وجود بنية تدريب وإسناد لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية. والأكثر أهمية أن تحقيقاً لوكالة رويترز نشر في فبراير 2026 تحدث عن معسكر سري داخل إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين المرتبطين بالدعم السريع.
هذه المعلومات، إذا استمرت وتأكدت تفاصيلها، تعني أن الحرب السودانية لم تعد تعتمد فقط على خطوط الإمداد التقليدية داخل السودان، وإنما بدأت تستفيد من عمق خارجي قريب جداً من مسرح العمليات.
وهنا لا أتعامل مع كل ما يقال عن الدور الإثيوبي باعتباره حقيقة نهائية؛ فهناك اتهامات سودانية، وتقارير استخبارية وصحفية، في مقابل نفي أو غياب اعتراف إثيوبي رسمي بالدور العسكري المباشر. لكن تراكم هذه المعطيات يجعل الملف جديراً بالمتابعة والتحقيق، وليس مجرد شائعة سياسية.
كيف يمكن أن تعمل خطوط الإمداد؟ تحليل سياسي
إذا نظرنا إلى الخريطة بعيداً عن الدعاية العسكرية، فإن الجغرافيا تفسر الكثير، يمكن أن يتحول الشريط الحدودي بين إثيوبيا والنيل الأزرق إلى منطقة خلفية للعمليات، بحيث تنتقل الإمدادات والمقاتلون عبر مناطق حدودية، ثم تُستخدم الكرمك وقيسان ومناطق أخرى كنقاط ضغط باتجاه الداخل السوداني.
وليس ضرورياً أن يكون هناك خط واحد ثابت للإمداد. في الحروب الحديثة، تكون الشبكات أكثر مرونة: نقاط تدريب، مناطق تجمع، طرق برية، مخازن، ثم تحريك الإمدادات وفقاً لتغير الوضع العسكري.
وهذا تحديداً ما يجعل قطع الإمداد أكثر صعوبة من السيطرة على مدينة، وقد أشارت تحليلات عسكرية منشورة خلال العام إلى أن استعادة الكرمك مهمة بالنسبة للجيش السوداني ليس فقط لأهميتها الجغرافية، وإنما أيضاً بهدف الحد من الإمدادات القادمة من جهة إثيوبيا ووقف تمدد الدعم السريع في النيل الأزرق.
المعركة الحقيقية ليست الكرمك وحدها
من الخطأ، في رأيي، اختزال المعركة في سؤال: من يسيطر على الكرمك؟ السؤال الأهم هو: من يسيطر على الطريق الذي يصل الحدود بوسط النيل الأزرق؟
فإذا تمكن الدعم السريع وحلفاؤه من الاحتفاظ بوجود مستقر بالقرب من الحدود، فإن الجيش سيضطر إلى توزيع قواته على مساحة أوسع، بدلاً من تركيزها على حماية الدمازين والمراكز الحيوية.
أما إذا تمكن الجيش من تثبيت سيطرته على المناطق الحدودية، فإن ذلك سيعني عملياً تضييق المجال أمام أي إمداد قادم من إثيوبيا.
ولهذا جاءت أهمية استعادة الكرمك من جانب الجيش في يوليو، بعد أن كانت قد سقطت في أيدي الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال في مارس.
هل الهدف النهائي هو الدمازين؟
لا أعتقد أن الهدف العسكري يجب أن يُقرأ فقط من خلال الهجوم المباشر على المدن، الدمازين، عاصمة النيل الأزرق، هي مركز الثقل الحقيقي في هذه الجبهة. ولذلك فإن الضغط عليها يمكن أن يبدأ بقطع الطرق، واستنزاف الحاميات، والسيطرة على المناطق المحيطة، وإجبار الجيش على نقل قواته من جبهات أخرى.
وإذا أصبحت الدمازين تحت ضغط مستمر، فإن التأثير لن يكون محلياً فقط، بل سيمتد إلى حسابات الجيش في بقية السودان، ومن هنا يمكن فهم سبب اعتبار النيل الأزرق جزءاً من استراتيجية أوسع لاستنزاف الجيش وفتح جبهات متعددة في الوقت نفسه.
البعد الإقليمي أخطر من المعركة نفسها
ما يقلقني في هذه الجبهة ليس فقط احتمال توسع القتال داخل السودان، وإنما احتمال تحول الحدود السودانية–الإثيوبية إلى مسرح صراع إقليمي، فإذا أصبحت الأراضي الإثيوبية قاعدة تدريب أو إسناد أو عبور لقوات مشاركة في الحرب السودانية، فإن إثيوبيا لن تكون مجرد دولة مجاورة للحرب، بل ستصبح جزءاً من معادلاتها الأمنية، حتى لو لم تعلن مشاركتها رسمياً.
وهنا تتداخل ملفات أخرى: الحدود، الفشقة، سد النهضة، الأمن المائي، العلاقات السودانية–الإثيوبية، وكذلك مصالح القوى الإقليمية التي تدعم أطراف الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهذا ما يجعل النيل الأزرق أخطر من مجرد جبهة عسكرية جديدة.
ماذا أتوقع؟
من وجهة نظري، أمام هذه الجبهة ثلاثة مسارات محتملة.
الأول: يتمكن الجيش السوداني من تثبيت سيطرته على الكرمك وقيسان والمناطق الحدودية، وبالتالي تضييق المجال أمام خطوط الإمداد القادمة من إثيوبيا.
الثاني: يستعيد الدعم السريع وحلفاؤه زمام المبادرة في الجنوب الشرقي، ويستخدمون الحدود كعمق لوجستي، ما سيجعل الدمازين تحت ضغط متزايد.
الثالث، وهو الأخطر: تتحول النيل الأزرق إلى جبهة إقليمية مفتوحة، تتداخل فيها قوات سودانية مع مجموعات مسلحة عابرة للحدود، وتصبح الأراضي الحدودية الإثيوبية جزءاً من المعادلة العسكرية للحرب.
الخلاصة
في تقديري، معركة النيل الأزرق ليست معركة على الكرمك أو قيسان فقط؛ إنها معركة على بوابة السودان الشرقية–الجنوبية وعلى مستقبل خطوط الإمداد في الحرب.
والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط من يرفع علمه فوق مدينة حدودية، وإنما من يستطيع أن يحتفظ بعمق لوجستي مستقر خلف خطوط القتال.
فإذا استطاع الدعم السريع تحويل الحدود الإثيوبية إلى عمق دائم للتدريب والإمداد والحركة، فإن الحرب السودانية ستدخل مرحلة أكثر تعقيداً، وستصبح الدمازين وسد الروصيرص وممرات النيل الأزرق جزءاً من معركة أكبر بكثير من حدود الولاية.
أما إذا تمكن الجيش السوداني من قطع هذه الحلقة وإغلاق الممرات الحدودية، فإن ذلك قد يوجه ضربة استراتيجية لمحاولة فتح جبهة جنوبية شرقية طويلة الأمد.
لهذا أرى أن ما يجري في النيل الأزرق يستحق أن يُقرأ باعتباره مؤشراً على المرحلة المقبلة من الحرب السودانية، وليس مجرد فصل جديد من المعارك اليومية.









