الكولومبيون كانوا معتادين على الموت، لكن ليس بهذا الحجم. كثير من المرتزقة كانوا قدامى في القوات الخاصة أو من شاركوا في معارك ضد المتمردين في أميركا الجنوبية. بعضهم عمل كمسلحين مأجورين لدى عصابات المخدرات في أميركا الجنوبية، بينما أمضى آخرون سنوات كمتعاقدين في الشرق الأوسط. لكن ما شاهدوه في الفاشر كان مختلفا تماما.
بحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى السودان عام 2024، كانت الحرب الأهلية قد أودت بحياة آلاف الأشخاص وأحدثت أسوأ أزمة إنسانية في العالم. ثم جاء حصار مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، الذي استمر 18 شهرا وانتهى بسقوط المدينة. وبعد ذلك، قالت الأمم المتحدة إن أعمال إبادة جماعية قد ارتكبت، فيما أبلغت إحدى جماعات حقوق الإنسان نوابا بريطانيين بأن عشرات الآلاف قد قتلوا.
ظهرت مقاطع مصورة لقائد في قوة شبه عسكرية وهو ينفذ، في ابتهاج، عمليات إعدام بحق مجموعات من الأسرى العزل. وبعد انتهاء أعمال القتل، ظل دخان محارق الجثث يخيم فوق الأحياء المهجورة لأسابيع، وكان مرئيا من الفضاء. عندما وصل لويس إلى المدينة، كانت الشوارع خالية على نحو يبعث على القلق. لم يكن هناك سوى رائحة الموت الطاغية.
قال: «كان الهواء ممتلئا بالذباب، تجذره الجثث وأكوام القمامة على حد سواء. كانت هناك جثث قد تحول لونها إلى البنفسجي نتيجة بقائها تحت أشعة الشمس لفترة طويلة… كان من المروع أن يظل ذلك الذباب يطن حولك وأنت تأكل».
لم يكن لويس ورفاقه الكولومبيون قادرين على التنقل من دون مرافقة. وقالت لهم عناصر القوة شبه العسكرية التي كانوا يعملون معها، والتي كانت تسيطر على المدينة، إنها تحرق جثث الموتى خشية تفشي الكوليرا. لكن بعض المشاهد أثارت قلقه، أكوام من الجثث بدت وكأن مركبات سحقتها، وجثث لنساء وأطفال.
وكانت هناك أيضا، من حين إلى آخر، كلاب ضالة. وكان لويس يحب الكلاب. وكثيرا ما ظهرت في الصور التي التقطها خلال الحرب، إلى جانب صور المركبات المزودة بالرشاشات، والمباني المدمرة، والرجال الملثمين الذين يحملون الأسلحة على أكتافهم.
قبل الهجوم الأخير، كان رفاقه قد أمضوا شهورا وهم يضيقون خناق التجويع حول المدينة، ويقصفونها بالطائرات المسيرة والمدفعية. ولم يشغل لويس نفسه كثيرا بالتفكير في ما كانت كلاب الفاشر تقتات عليه.
كان لويس واحدا من نحو ألفي مرتزق كولومبي وصلوا إلى السودان للقتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع. وقال إن الأشخاص الذين جلبوه إلى هناك كانوا يعملون لصالح شركة أمن خاصة تُدعى Global Security Services Group (GSSG)، وتتخذ من الإمارات العربية المتحدة مقرا لها. وتدار الشركة بواسطة مديرين من جنوب أفريقيا، وتواجه اتهامات بوجود صلات لها بالسلطات الإماراتية. ولم ترد شركة GSSG على طلبات التعليق على هذا التحقيق.
تقدم المقابلات مع لويس وستة من زملائه المقاتلين صورة تفصيلية لكيفية قيام شركة أمنية إماراتية بارزة، على ما يبدو، بنقل المرتزقة والأسلحة إلى ساحة القتال في السودان، في الوقت الذي كان فيه قادة الإمارات يتعهدون علنا بالمساعدة في إحلال السلام.
نفت الإمارات مرارا دعمها لمليشيا الدعم السريع منذ اندلاع الحرب، أو أي ضلوع لها في تجنيد المرتزقة. غير أن للإمارات علاقات قديمة مع مليشيا الدعم السريع، كما أنها تخشى من اختراق جماعات إسلامية للقوات المسلحة السودانية، وهي جماعات تعتبرها أبوظبي تهديدا للأمن على امتداد البحر الأحمر. وتقول منظمات حقوقية إن نشر مرتزقة لدعم مليشيا الدعم السريع ما كان ليكون ممكنا من دون موافقة فعلية من الحكومة الإماراتية.
كان من بين الكولومبيين الذين تحدثوا إلى صحيفة فايننشال تايمز متخصصون وضباط ومقاتلون في الخطوط الأمامية. وطلبوا جميعا استخدام أسماء مستعارة لأسباب أمنية، وقدموا تفاصيل شملت كل شيء، من تنظيم الوحدات وأسماء قادتهم، إلى الطريقة التي كانت تدفع بها رواتبهم والمهام التي كانوا مكلفين بها.
وقالوا إنهم نقلوا إلى مواقع انتشارهم عبر شبكة من الطائرات والمطارات التي تعمل بعيدا عن الأضواء في دول تعد من أبرز حلفاء الإمارات، بدءا من الكفرة، المدينة الواقعة في شرق ليبيا، مرورا بإقليم بونتلاند في شمال الصومال، وصولا إلى الجناح العسكري من مطار تشاد.
تدعم رواياتهم قوائم ركاب الرحلات الجوية، وسجلات الهجرة والسفر الخاصة بعدد كبير من الكولومبيين، إضافة إلى مقاطع فيديو وصور التقطها شهود عيان، وتحليل لبيانات تتبع الأجهزة، وشهادات سودانيين.
قال مانويل، وهو مرتزق سابق كان يشغل منصبا قياديا، إنه تلقى تدريبه في الكفرة وعمل مع مقاتلين من جنوب أفريقيا وأوكرانيا في دارفور خلال عام 2024. وأضاف أنه غادر بعدما أصبح حجم الخطر والمعاناة أكبر مما يستطيع تحمله:
«لم أر في حياتي قط مثل هذا الفقر والبؤس. إنه أمر يفطر القلب… أسر نازحة… تجد نفسها أمام خيارين، إما أن تموت جوعا، أو أن تقود سيارة وتحمل بندقية وتحصل على الطعام».
وقال مانويل: «هناك أطفال لا تتجاوز أعمارهم 12 عاما يحملون بنادق لا يستطيعون حتى رفعها، ويتحملون مسؤولية حرب لا يعرفون أصلا ما الذي يفترض أن يفعلوه فيها».
وأضاف: «الإمارات هي التي تضخ القدر الأكبر من الأموال والموارد في هذا الصراع، وهي التي توفر الأسلحة لمليشيا الدعم السريع».
للدولة الخليجية مصالح عديدة في السودان. فعندما اندلعت الحرب، خسرت الإمارات استثمارات ومصالح تجارية بمليارات الدولارات هناك، شملت تعدين الذهب والزراعة وصفقة لإنشاء ميناء كانت جزءا من مسعاها الأوسع لتعزيز نفوذها في منطقة البحر الأحمر والسيطرة على الممرات البحرية التي تغذي ثروتها.
وقال مسؤولون إماراتيون إنهم يخشون عودة الإسلاميين إلى الواجهة، إذ يشغل بعضهم مواقع نافذة داخل الجيش. وتقول الإمارات إن الجيش السوداني متحالف مع جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية تتهم الأنظمة الملكية الخليجية بالفساد. كما تربط الإمارات علاقة طويلة الأمد بقائد مليشيا الدعم السريع، الذي أرسل آلاف المرتزقة السودانيين للقتال في اليمن نيابة عن الإمارات.
أما الكولومبيون فجاؤوا لأسباب أبسط. وقال مانويل بأسى: «المال الإماراتي يشتري الكثير من الضمائر». ويحظى المقاتلون الكولومبيون بتقدير شركات الأمن، بل وحتى الجيش الأميركي، بسبب تدريبهم وخبرتهم في حرب العصابات. وكثير منهم من قدامى المحاربين في الصراع الداخلي الذي استمر 60 عاما في بلادهم، ويتمتعون بخبرة في مكافحة التمرد وحرب المدن. ويقاتل كولومبيون إلى جانب روسيا وإلى جانب أوكرانيا.
بدأت حرب السودان تجتذب المرتزقة منذ اندلاع القتال، من عناصر مجموعة فاغنر الروسية التي كانت لها بالفعل مصالح في الذهب داخل البلاد، إلى مشغلي طائرات مسيرة أوكرانيين متنافسين عملوا مع كلا الطرفين، وصولا إلى مقاتلين مستقلين من أنحاء منطقة الساحل. لكن العملية الكولومبية كانت الأكبر والأكثر تنظيما والأكثر فاعلية من بين هذه التدخلات.
قال المقاتلون إن عمليات التجنيد للمهمة في السودان بدأت في كولومبيا في منتصف عام 2024. وقال مرتزقان سابقان إن عروض العمل بدأت تصل عبر تطبيق واتساب من أصدقاء ورفاق سابقين. أما الشركة الإماراتية التي يقولون إنها تتعاقد معهم، Global Security Services Group (GSSG)، فقد وصفت نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها «المزود الوحيد لخدمات الأمن الخاص المسلح للحكومة الإماراتية».
وقال مانويل إنه أرسل إلى السودان في أكتوبر 2024 ضمن أول كتيبة من المقاتلين الكولومبيين، وكانت مهمته إنشاء موطئ قدم لتدفق الإمدادات. ووصف قوافل من العربات المدرعة تشق طريقها جنوبا نحو دارفور عبر الصحراء الليبية المتلألئة تحت وطأة الحر، وسط غبار كثيف يخنق الأنفاس.
أما لويس فكان ضمن الكتيبة الثانية، وقال إنه نقل عبر قاعدة ممولة من الإمارات في مدينة بوصاصو شمالي الصومال، داخل طائرة روسية قديمة. وتولت وحدته تأمين المطار المتضرر في مدينة نيالا بجنوب دارفور في مواجهة الجيش، قبل أن تنتشر عناصرها في معسكرات سرية داخل الصحراء. وكانت الكتيبة الثالثة على الخطوط الأمامية خلال عملية السيطرة على الفاشر.
وصف أحد المقاتلين، ويدعى كارلوس، كيف تلقى نحو 300 متخصص تدريبات سرية في الإمارات على الطائرات المسيرة والأسلحة المضادة للطائرات، خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، قبل وصولهم إلى السودان. وقال إن كثيرا منهم أمضوا نحو ثلاثة أشهر هناك.
وتعزز روايته شهادتا رجلين آخرين قالا أيضا إنهما شاركا في تدريبات داخل الإمارات، إضافة إلى تحليل لبيانات تتبع الهواتف أجرته شركة Conflict Insights Group (CIG) الأميركية، وهي منظمة بحثية تحلل معلومات المصادر المفتوحة لخدمة المصلحة العامة، فضلا عن تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش حدد قاعدتين إماراتيتين ظهرتا في منشورات المرتزقة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال جاستن لينش، رئيس Conflict Insights Group (CIG): «مولت الإمارات ودربت مرتزقة دعموا استيلاء مليشيا الدعم السريع على الفاشر». وأضاف: «كان المرتزقة موجودين عندما سيطرت مليشيا الدعم السريع على المدينة وارتكبت بعض أبشع عمليات القتل التي شهدها هذا القرن حتى الآن».
وقال لينش إن بعض هؤلاء المرتزقة تلقوا تدريبات في قاعدة إماراتية، وهو أمر وصفه بأنه «مستحيل من دون موافقة الحكومة». وأضاف: «الأثر الرقمي يربط معسكر التدريب في أبوظبي بالمقابر الجماعية في الفاشر».
لم تخل عملية نشر المرتزقة من مشكلات في بدايتها. وقال كارلوس إن كثيرا من المرتزقة انسحبوا، فيما كان آخرون على وشك التمرد بعدما أوقف بنك كولومبي مدفوعاتهم لمدة شهرين، إلى أن أعلن القادة أن دفعة نقدية









