يرى محللون ومراقبون أن الطرح الذي قدمته كتائب حزب الله يضع تحديا جديدا أمام مساعي الحكومة العراقية الرامية إلى إخضاع جميع الأسلحة لسلطة الدولة، إذ إن انتقال الأسلحة من فصائل مسلحة إلى فصيل آخر قد يؤدي إلى تركيز القوة العسكرية في يد جهة تمتلك أصلًا نفوذا داخل المشهد الأمني والسياسي العراقي.
ويرجح المحللون أن هذا التوجه قد ينسجم مع استراتيجية إيرانية أوسع لإعادة ترتيب خريطة الفصائل المسلحة الحليفة لها في العراق، في ظل المتغيرات الإقليمية والضغوط الدولية المتزايدة على الجماعات المرتبطة بطهران، بما يضمن الحفاظ على القدرات العسكرية الأساسية ضمن إطار أكثر تماسكًا وأقل تعددًا.
كان المسؤول الأمني في “كتائب حزب الله” أبو مجاهد العساف قد أعلن استعداد الجماعة لاستلام وشراء الأسلحة التخصصية من الفصائل التي تقرر إنهاء نشاطها المسلح، بما يشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة والأسلحة المضادة للدروع، مع المساهمة في دعم عناصر تلك الفصائل وعائلات قتلاها وجرحاها.
وجاء هذا الموقف في وقت تتصاعد فيه الدعوات السياسية والرسمية لإنهاء ظاهرة تعدد مراكز القوة المسلحة في البلاد؛ فقبل أيام أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فك ارتباط “سرايا السلام” وإلحاقها بمؤسسات الدولة، مع تحويل تشكيلاتها المدنية إلى مؤسسات رسمية من دون سلاح أو مقرات أو عناوين تنظيمية، داعيًا بقية الفصائل للتخلي عن ارتباطاتها الحزبية والانضواء الكامل تحت سلطة الدولة.
وسبق أن تعهد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بآلية تنفيذية للشروع في حصر السلاح بيد الدولة، مشيراً إلى أن عملية تسليم أسلحة الفصائل المسلحة ستبدأ خلال الأيام المقبلة في إطار خطة حكومية تستهدف تعزيز هيبة الدولة وترسيخ الاستقرار الأمني في البلاد.
وأوضح الزيدي أنه من المقرر أن تبدأ “سرايا السلام” بتسليم أسلحتها، على أن تلحق بها “عصائب أهل الحق” في اليوم التالي، مؤكداً أن جهود حصر السلاح لا تقتصر على الفصائل المسلحة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى أسلحة العشائر، ضمن مساع شاملة لإخضاد جميع الأسلحة لسلطة الدولة.
والثلاثاء، أعلن فصيل “عصائب أهل الحق”، تسليم السلاح، والارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة العراقية، مع تشكيل لجنة مركزية من التنظيم تتولى “استكمال جميع الإجراءات والمتطلبات الخاصة بجرد السلاح”.
ويعد تنظيم “عصائب أهل الحق” الفصيل المسلح الثاني الذي يعلن رسمياً تسليم السلاح للدولة بعد ” سرايا السلام “.
يأتي ذلك في الوقت الذي أعلن الإطار التنسيقي، تأييد قادته لمشروع حصر السلاح بيد الدولة “حرصاً على استمرار التعاون بين الحكومة العراقية والمجتمع الدولي”، مفوضًا رئيس الوزراء “باتخاذ الإجراءات الكفيلة بذلك”.
واعتبرت السفارة الأميركية في بغداد، بيان الإطار التنسيقي بأنه “نقلة نوعية في طريق ترسيخ سيادة العراق”.
دوره، كشف رئيس تيار الحكمة الوطني في العراق، أن هناك خطة واضحة لمعالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة وفق البرنامج الحكومي، مشيراً إلى أن الفصائل المسلحة تنتظر حلول شهر سبتمبر المقبل، موعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، للمضي في تنفيذ التفاهمات المتعلقة بهذا الملف.
واعتبر الحكيم أن حسم ملف السلاح سيتم ضمن المسارات السياسية والتفاهمات الجارية بين الأطراف المعنية.
بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة السليمانية، ميران حسين، إن “ملف حصر السلاح بيد الدولة يواجه تحديات كبيرة بسبب تعدد الفصائل المسلحة في العراق واختلاف توجهاتها ومرجعياتها الدينية، وبعض هذه الفصائل يرتبط بمرجعية النجف، فيما تتبع فصائل أخرى مرجعيات مختلفة”.
وأضاف، أن هناك تأثيراً إيرانياً واضحاً على عدد من الفصائل المسلحة، الأمر الذي يجعل مهمة حصر السلاح بيد الدولة غير سهلة، موضحا أن “هذه الفصائل، رغم كونها عراقية وتعمل وفق صيغة رسمية، إلا أن ارتباط بعضها العقائدي بجهات خارجية يمثل أحد أبرز التحديات أمام جهود الدولة في هذا الملف”.
وفي ما يتعلق بجهود رئيس الوزراء العراقي، رأى “حسين” أن إنجاز هذا المسار يتطلب وجود قوة سياسية ومؤسساتية داعمة تضمن تنفيذ الخطوات المعلنة بصورة كاملة وصحيحة على أرض الواقع.
وعن موقف “كتائب حزب الله” العراقية، اعتبر أن “الفصيل لا يبدو متجهاً نحو تسليم سلاحه، نظراً لكونه من الفصائل المرتبطة عقائدياً بإيران”، مرجحاً أن يكون للموقف الإيراني تأثير في قراره بشأن المضي في أي عملية لتسليم السلاح للدولة.
أما مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، فاعتبر أن سحب السلاح المنتشر خارج إطار الدولة من الفصائل العراقية المسلحة “يعد أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في العراق، نظراً لتشابكه مع الاعتبارات السياسية والأمنية والإقليمية”.
وقال فيصل إنه “يوجد ما يقارب 74 فصيلاً مسلحاً في العراق، ظهرت أو توسعت بعد اجتياح تنظيم داعش لمدينة الموصل عام 2014، وكان من المفترض، بعد تحقيق النصر على داعش، أن تقوم السلطات المختصة بحل هذه الفصائل وإعادة عناصرها إلى المجتمع أو دمج المؤهلين منهم ضمن المؤسسات الرسمية، وليست لتأسيس تشكيلات مسلحة دائمة خارج إطار الدولة، إلا أن إيران ذهبت باتجاه تعزيز هذه الفصائل ودعمها عسكرياً ولوجستياً، من خلال إنشاء قواعد ومراكز تدريب، وتطوير قدرات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة والخفيفة، فضلاً عن إشراك بعضها في صراعات إقليمية متعددة”.
وأشار إلى أن بعض هذه الفصائل تتجه نحو مناقشة مسألة تسليم السلاح أو تنظيم وضعه القانوني، في حين ترفض فصائل أخرى هذا التوجه، وهو ما وصفه بأنه “يعكس عمق الانقسام داخل البيئة الحاضنة لهذه التنظيمات”.
وشدد مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية على أنه “إذا أصرت بعض الفصائل على الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار الدولة، فإن الحكومة العراقية قد تلجأ إلى أدوات دستورية وقانونية وقضائية لمواجهة هذه الظاهرة، بالتوازي مع ضغوط وعقوبات دولية قد تستهدف قيادات أو جماعات متهمة بأعمال مسلحة أو إرهابية”.
وأكد أن “حصر السلاح بيد الدولة يمثل جزءاً من البرنامج الحكومي الذي أقره مجلس النواب، وهو هدف يتطلب وقتاً وإجراءات متدرجة قد تمتد لأشهر أو سنوات، كما أن نجاحه يرتبط بوجود توافق سياسي واسع وإرادة وطنية حقيقية”.
الطرح لحزب الله يثير تحديا جديدا أمام حصر السلاح بالدولة العراقية









