Home / سياسة / الحرب تغوص في أعمق دوائر الصفوة السودانية مع تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء.

الحرب تغوص في أعمق دوائر الصفوة السودانية مع تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء.

الحرب تغوص في أعمق دوائر الصفوة السودانية مع تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء.

انعقدت دوائر الصفوة السياسية السودانية حفل استقبال لرئيس الوزراء الجديد، الدكتور كامل إدريس، بعد تسميته من قبل مجلس السيادة. وأثارت خطوة تعيين إدريس، وإلغاء قرار المجلس بإشرافه على الأجهزة المدنية، جدلاً واسعاً بشأن صلاحية البنية الحاكمة في ظل الحرب المستمرة. وبدأ الصحافي الطاهر ساتي بتقييم قرار مجلس السيادة، معتبراً أنه اتخذ القرار الصحيح بإلغاء الإشراف على الأجهزة المدنية، وذلك لمنع ابتزاز نافذين في الحركات المسلحة وزعامات قبلية وعشائرية أراد المجلس ألا يأمن جانبها في الحرب. وسوق محلل سياسي مآخذ بنيوية في آلة الحكم الحالية، داعياً إلى إعادة نظر جذري فيها. ورأى أن الخطأ يكمن في الوثيقة الدستورية التي لا تزال هي مناط الشرعية منذ انعقادها بين “قوى الحرية والتغيير” والمجلس العسكري في 2019، وأن الحال في البلد تغيرت كثيراً وتغيرت الوثيقة نفسها بالتعديل مراراً. واعتبر المحلل أن الوثيقة الدستورية أصابته عطباً منذ انقلاب العسكريين على الحكومة الانتقالية في أكتوبر 2021، وأنه يجب إلغاؤها وإصدار إعلان دستوري جديد أو الحكم عبر المراسيم الدستورية الموقتة، وأن القائد العام البرهان يجب أن يكون رئيساً انتقاليّاً معززاً بمجلس وزراء رشيق. وأشار المحلل إلى أن الدولة، منذ الحرب، هي حكومة حرب تعبئ طاقة الأمة العسكرية والمدنية والمادية لكسب الحرب، وأن السودان وجد نفسه في هذا الوضع مكرهاً، بينما كان يصطرع لأجل دولة مدنية ديمقراطية. وذكر أن السلطات الاستثنائية الممنوحة لأولي الأمر في الحرب في الوثيقة الدستورية أو دستور 2005 الانتقالي، وما سبقهما من دساتير، تبرر هذا الترتيب. وبدأ خطاب كامل مشدوداً بين الحرب، التي حيا طوائفها من القوات المسلحة وحلفائها، والتزام دعمها في انتصارها على المتمردين، وبين أنه برنامج انتخابي للشعب، وكأن الحرب واقعة مستقلة عن وعود ولايته. وعهد كامل بتوفير خدمات الإمداد الكهربائي والماء والصحة والتعليم، ووعد بالتنمية المستدامة ومكافحة الفساد والفقر، ولكن الحرب “إفقار” لا فقر، واستدامة التنمية خط معلق إذا كانت التنمية نفسها في عين الحرب. وقام كامل بإعلاء القانون في الدولة من فوق قضاء ونيابة ومحكمة دستورية لتحقيق العدالة وإنفاذ مبادئ القانون والسلام، ولكن الحرب شرط غير، وتكيف الوثيقة الدستورية للقانون في حال الحرب ليست في سخاء عبارة كامل عنه. وأثقلت الحرب على الحريات، وذكر أن الحريات المدنية ومقتضيات الحرب ذائعة في الفكر السياسي الأميركي وتجدد حول توظيف الرئيس دونالد ترمب قانون الأعداء الأجانب 1798 لتنفيذ سياسته في تفريغ أميركا من المهاجرين غير الشرعيين. وذكر أن الحريات العامة في أميركا ابتليت بلاءً شديداً خلال الحرب العالمية الأولى، وصدر قانونا التجسس 1917، والتمرد 1918 لإخراس أصوات من قاوموا دخول أميركا الحرب. وقال الرئيس وودرو ويلسون إن من يعارضون المجهود الحربي لا بد من سحقهم، وقال القاضي بالمحكمة العليا أوليفر وندل هولمز إن العبارة التي تعترض على الحرب كأن صاحبها يصرخ: “الحريق الحريق” في مسرح حاشد بالناس. وتراجع عن ذلك التشدد لاحقاً، وإليه نعزو مفهوم “سوق الأفكار” الذي أذن للمنافسة بين الفكرة جيدها ورديئها. وفي الحرب العالمية الثانية اعتبرت أميركا ترجيحها شاغل الأمن على شاغل كفالة الحرية المدنية في الحرب الأولى، وتعقلت في إدارة التوتر بينهما. ولم يمنع الحذر القدر، فكوّنت أميركا، مع ذلك، لجنة النشاطات المعادية لأميركا في 1938، ثم قانون تسجيل الأجانب 1990 الذي كان بمثابة تجديد لقانون التمرد 1918. ولم يمنع ذلك التعقل القانوني الذي تمسكت به البيروقراطية الفدرالية دون الرئيس فرانكلين روزفلت الذي طمع في سلطات حرب واسعة بقوله إن من انتقد الدولة ضحى بحقه في التعبير. فنصب، بأمر رئاسي، بعد بيرل هاربر في 1941 معسكرات للأميركيين – اليابانيين جمعتهم على صعيد واحد ليجعلهم تحت نظر الدولة المباشر، بل نشأت جماعات التشفي الأهلي من معارضي الحرب وتأذت منهم طائفة “شهود يهوه”. على رغم كل هذه التقية تجد من سلطات الكونغرس تعطيل “الهابس كوبس” (حق وقوف المتهم على حقائق الجنحة ضده) الذي عربه حسن الترابي موفقاً بـ”حق الطلاقة”، وإجازة قوانين توسع من سلطات الحكومة خلال الحرب مثل قانون حب الوطن 2001 الذي أطلق يد الحكومة في محاربة الإرهاب. وربما كان التجاذب في خطاب كامل بين الحرب والانتخابية الذي أخذناه عليه وظيفة لعقيدة بين الصفوة، حتى بين بعض أنصار القوات المسلحة، من أنهم كمدنيين مناط التفاوض بينما للعسكريين الحرب. وبدا من بعضهم وكأن كامل هو مهدي التفاوض المنتظر الذي ركب العساكر رأسهم من دون الاشتغال به. وذكر أن حتى نور الدين بابكر، الناطق الرسمي للمؤتمر السوداني وهو من أحزاب “صمود” بقيادة عبدالله حمدوك، لا يمانع أن يقبل بإدريس رئيساً للوزراء إذا نهض مهدياً منتظراً للتفاوض وإنهاء الحرب. وذكر أن نور الدين استنكر تعيين إدريس من فوق وثيقة معيبة وبيد البرهان، وساء ظنه به حتى قال إنه سيقوم بكل مطلوب منه من البرهان. وذكر أن خطوة تعيين رئيس وزراء لم تكن هي الخطوة المطلوبة في هذا الوقت، ولكنهم رغماً عن هذا، في قول نور الدين، سيمدون له يداً إن أعلن أنه جاء للسلام وأنه سيأخذ حكومة بورتسودان للتفاوض فالسلام. ولكن الحقيقة أن حكومة كامل لا يمكن إلا أن تكون حكومة حرب لجيش في غمرة حرب طاحنة، والسلام أو التفاوض ليس وظيفة مستقلة عن إحسان تعبئة موارد الأمة لتعزيز قواتها المسلحة في طريق النصر.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *