خلال اليومين الماضيين، أجرى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، سلسلة اتصالات مكثفة شملت رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وصدام حفتر ممثلاً للعسكريين في شرق ليبيا وعبد السلام الزوبي ممثلاً للعسكريين في غرب البلاد، إضافة إلى بلقاسم حفتر المسؤول عن صندوق إعادة إعمار ليبيا.
وقال بولس إن الاتصالات تناولت عدداً من الملفات المرتبطة بمستقبل البلاد، مؤكداً أهمية إشراك مختلف الأطراف الليبية في رسم المرحلة المقبلة، ومجدداً التزام واشنطن بدعم السلام والوحدة والحوكمة الديمقراطية والعمل مع جميع القوى الليبية لتحقيق الاستقرار.
ويمثل هذا الخطاب تحولاً ملحوظاً مقارنة بالمقاربة التي طُرحت خلال الأشهر الماضية، والتي ركزت بصورة أكبر على تثبيت التفاهمات بين المؤسسات القائمة في شرق البلاد وغربها، خاصة على المستويين العسكري والاقتصادي، باعتبارها مدخلاً لتحقيق الاستقرار قبل الانتقال إلى المسار السياسي الأشمل.
رسائل بريطانية ومظلة أممية
تحركات بولس الأخيرة وتوضيحه للموقف الأميركي جاءت بعد مقال للسفير البريطاني في ليبيا مارتن رينولدز نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” متضمناً رسائل سياسية فُسرت بأنها موجهة للمسعى الأميركي بقيادة بولس، كما أنها موجهة للفاعلين الليبيين بأنه لا حل في ليبيا ولا شرعية دولية لأية سلطة إلا بوجود بريطانيا.
وأكد رينولدز أن هناك مؤشرات مشجعة على إمكانية تحقيق مزيد من الانضباط في ليبيا، مشيراً إلى انخراط الأطراف الليبية بصورة بناءة مع بعثة الأمم المتحدة سعياً للوصول إلى حل سياسي مستدام، كما شدد على ضرورة البناء على هذا الزخم وتعزيز الدعم الدولي الكامل للجهود الأممية والمبادرات الهادفة إلى تحقيق تقدم سياسي واقتصادي.
وبصفته ممثلاً للدولة التي تتولى ملف ليبيا داخل مجلس الأمن، حرص السفير البريطاني على التأكيد أن لندن لا تزال ملتزمة بتوحيد الجهود الدولية رغم التحديات القائمة، في رسالة فُسرت على أنها تأكيد على مركزية المسار الأممي في إدارة الأزمة الليبية.
ولم يقتصر رينولدز في مقاله على الجانب السياسي، بل شدد على أهمية تعزيز الانخراط البريطاني مع كافة مكونات المجتمع الليبي لدعم قطاعات التعليم والتدريب وتطوير الكفاءات المحلية والمؤسسات، مؤكداً ضرورة التعاون المشترك بين ليبيا وشركائها الأوروبيين لتفكيك شبكات العائدات غير المشروعة ومكافحة عصابات تهريب البشر والاتجار بهم والحد من تدفقات المهاجرين، عرباً عن التزام بلاده بدعم قدرات ليبيا في إدارة حدودها لتخفيف الأعباء الإنسانية والاقتصادية عن المجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق تبدو اتصالات بولس الأخيرة أقرب إلى محاولة لإعادة التموضع داخل المشهد الليبي المتغير أكثر من كونها إطلاقاً لمسار جديد، خاصة مع تزايد الإجماع الدولي على أن استقرار ليبيا لن يتحقق عبر تفاهمات جزئية بين مراكز القوة فقط وهو ما يراه البعض تكريساً وتثبيتاً لوجوه وأطراف الأزمة الليبية، وإنما من خلال تسوية سياسية تحظى بقبول داخلي وغطاء أممي ودولي واسع.
إعادة تموضع دبلوماسي
وفي قراءة لأبعاد هذا التحرك، يرى رئيس الائتلاف الليبي–الأميركي في واشنطن فيصل الفيتوري أن واشنطن تشهد حالة “إعادة تموضع دبلوماسي لافت” تتجاوز مجرد تدوير المناصب، مستشهداً في تصريحات خاصة بتغييرات هيكلية أخيرة في البعثة الدبلوماسية الأميركية، والتي شملت تولي جوشوا هاريس مهام المبعوث الأميركي إلى ليبيا خلفاً لكريستوفر نورلاند، وتعيين ديفيد لينفيلد قائماً بالأعمال جديداً خلفاً لجيريمي براندت.
ويشير الفيتوري إلى أن هذه التعيينات تأتي في توقيت إقليمي شديد الحساسية، خصوصاً أن “هاريس” يعد من الدبلوماسيين الأكثر دراية بملفات شمال أفريقيا وليبيا، وتحديداً في مجالات السياسة والطاقة والاقتصاد.
ويؤكد الفيتوري أن هذا التغيير في الوجوه الدبلوماسية يطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الإدارة الأميركية بصدد صياغة استراتيجية أوسع وإعادة ترتيب أولوياتها وتحالفاتها على الأرض، ومدى انعكاس هذه الرؤية المؤسسية الجديدة على التحركات والبرامج السياسية التي يقودها مستشار الرئيس مسعد بولس والدوائر المحيطة به، وما إذا كانت قواعد اللعبة السياسية في ليبيا تتجه نحو إعادة صياغة شاملة أم مجرد تغيير في الأدوات”.
ويأتي هذا التحول في توقيت لافت تزامن مع حدث أوروبي بارز تمثل في اجتماع السفراء الأوروبيين في طرابلس مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه، حاملاً رسالة بالدعم المطلق والمتزايد خلف البعثة الأممية في مسارها، في مقابل المساعي الأحادية.
تمسك بريطاني بالشرعية الدولية
ويعلق الباحث والمحلل السياسي الليبي أحمد زاهر على ذلك بالقول إن الإشارات الواردة في الموقف البريطاني تعكس تمسكاً واضحاً بالإطار الأممي باعتباره المرجعية الوحيدة القادرة على منح أي تسوية سياسية شرعية دولية مستدامة.
وأضاف زاهر أن بريطانيا ما زالت الفاعل الرئيسي داخل مجلس الأمن فيما يتعلق بصياغة القرارات الخاصة بليبيا وإدارة الإطارين السياسي والقانوني للملف فيما يعرف بمصطلح “الدولة حاملة القلم”، وهو ما يمنحها دوراً مؤثراً في تحديد حدود الشرعية الدولية لأي ترتيبات مستقبلية.
وأوضح زاهر أن الرسالة الأساسية التي أرادت لندن إيصالها تتمثل في أن التغيير السياسي في ليبيا يظل ممكناً، ولكن أي تحول جوهري موازٍ للمسار الأممي لن يحظى باعتراف دولي مستقر إذا تم خارج المظلة الأممية أو عبر تجاوز مجلس الأمن.
إشكاليات دولية وحسابات معقدة
وتكشف هذه المعطيات عن واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه الملف الليبي حالياً والمتمثلة في التباين بين رؤيتين دوليتين لمعالجة الأزمة؛ فالأمم المتحدة بدعم أوروبي تدفع نحو بناء توافق سياسي يقود إلى انتخابات تمنح المؤسسات المقبلة شرعية شعبية، بينما تبدو الولايات المتحدة أكثر ميلاً إلى تثبيت تفاهمات القوة والنفوذ على الأرض أولاً ثم البناء عليها سياسياً في مرحلة لاحقة.
ورغم أن المقاربتين تلتقيان عند هدف واحد، فإن الخلاف بينهما يتعلق بترتيب الأولويات وآليات الوصول إلى التسوية النهائية. وفي ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر الاستحقاقات الانتخابية، يبقى نجاح المبادرة الأميركية مرهوناً بقدرتها على التكيف مع المسار الأممي لا منافسته وبإقناع مختلف الأطراف الليبية بأن أي تفاهمات جديدة لن تكون بديلاً عن الحل السياسي الشامل بل خطوة داعمة له.
وفي قراءة تحليلية لتعقيدات المشهد، حذر السياسي الليبي والمتحدث السابق باسم مجلس الدولة الاستشاري السنوسي إسماعيل من التعاطي بتبسيط مع مبادرة “بولس” القائمة على دمج أطراف الصراع، مشيراً إلى أن هذا التوجه يتطلب دقة بالغة لتجنب أخطاء الماضي المتمثلة في المعادلات الصفرية وتقاسم السلطة غير المدروس.
وأكد إسماعيل في تصريحات لـأن نجاح أي تحرك أميركي مرهون بعدة محددات أساسية تشمل دمج المبادرة الأميركية ضمن خريطة الطريق الأممية واحترام التوافقات السابقة بين مجلسي النواب والدولة وعدم تجاوز الاتفاق السياسي الليبي باعتباره المرجعية الأساسية للمرحلة الانتقالية.
ويضيف إسماعيل أنه يجب استيعاب التباينات الأمنية والسياسية خاصة في المنطقة الغربية التي تشهد تعقيدات وتعددية في القوى المستقلة سياسياً وعسكرياً مقارنة بوضوح القيادة في المنطقتين الشرقية والجنوبية، إلى جانب صياغة حل توافقي لا يتعارض مع مصالح الدول الفاعلة في ليبيا وهي دول مؤتمر برلين والدول الإقليمية، وإلا فإن مصير هذه الجهود سيكون الفشل.
ونبه إلى أهمية إعطاء وضع خاص ومراعاة دقيقة للجنوب الليبي وإشراك مكوناته بفعالية دون تهميش نظراً لما يمثله من أهمية حساسة في ملفات أمن الحدود ومكافحة الهجرة غير الشرعية. المبادرة الأميركية تمثل خطوة إيجابية بشرط أن تُدعم بزخم محلي كبير وتُنسق بشكل كامل مع بعثة الأمم المتحدة؛ لضمان عدم إدخال البلاد في أزمة جديدة نتيجة صفقات سريعة أو جزئية تفتقر للرؤية الشاملة”.
إعادة ترتيب المشهد
وفي السياق ذاته يرى المحلل السياسي الليبي خالد الشارف أن ما تشهده ليبيا اليوم ليس مجرد حراك سياسي تقليدي بل هو “إعادة ترتيبات دولية للمشهد الليبي”.
وأوضح الشارف في تصريحات لـأن الرؤية الأميركية التي تميل إلى تسليم النفوذ للأطراف الأقوى على الأرض وتثبيت التوازنات الحالية تتناقض جوهرياً مع الجوهر الأممي والأوروبي الداعي لشرعية سياسية وانتخابات وحل شامل، حذراً من أن الأطراف الدولية والمحلية الفاعلة تكتفي حالياً بـ “إدارة الأزمة” لمنع الانفجار بدلاً من البحث عن “حل جذري” يؤسس لدولة مستقرة.
ويضيف الشارف نستحضر في هذا السياق تجارب دولية كالعراق ولبنان والبوسنة حيث أدت تفاهمات تقاسم النفوذ بين أمراء الحرب والقوى المسلحة إلى إيقاف القتال ظاهرياً لكنها فشلت في بناء مؤسسات دولة حقيقية، بل وكرست أزمات سياسية واقتصادية مستدامة، ونبه إلى الانعكاسات الكارثية لهذا المسار على الواقع الاقتصادي الليبي المتمثل في انهيار العملة والتضخم والسطو الممنهج على ثروات الدولة ومواردها من قبل مختلف الأطراف.
واختتم الشارف بالتحذير من خطر انزلاق البلاد نحو انقسام جغرافي ناعم كنتيجة حتمية للتمحور المناطقي حول الثروة وتقاسم الموارد بعيداً عن أي مشروع وطني جامع.









