بدلا من تثبيت خطوط التماس، شهد الجنوب اللبناني توسعا في نطاق السيطرة الإسرائيلية، مما أثار تساؤلات حول مستقبل الهدنة الهشة وحدود التقدم العسكري الإسرائيلي.
وقبل وقف إطلاق النار، اقتصرت المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي على شريط حدودي ضيق بعمق تراوح بين 5 و10 كيلومترات في بعض القطاعات الحدودية، إضافة إلى مواقع مرتفعة ذات أهمية استراتيجية عرفت بـ”التلال الخمس”، التي تتيح مراقبة مساحات واسعة من الداخل اللبناني، بما يصل إلى مشارف مدينة النبطية.
لكن المشهد تبدل بعد الهدنة، ففي 18 أبريل أعلنت إسرائيل رسميا ما أطلقت عليه “الخط الأصفر”، وهو نطاق أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية، يمتد في بعض المناطق إلى عمق يتراوح بين 10 و12 كيلومترا شمال الحدود.
ووفق تقارير إعلامية وتحليلات ميدانية، أدى ذلك إلى عزل عشرات القرى والبلدات الجنوبية ومنع سكانها من العودة إليها.
وتشير التقديرات إلى أن مساحة المنطقة الواقعة ضمن هذا النطاق تبلغ نحو 570 كيلومترا مربعا، أي ما يقارب 6 بالمئة من مساحة لبنان، وتشمل أكثر من 55 بلدة وقرية، من بينها الناقورة وميس الجبل والخيام وعيتا الشعب ومناطق واسعة في قضائي مرجعيون وبنت جبيل.
ويبدو أن نهري الليطاني والزهراني تحولا إلى مؤشرين رئيسيين على اتجاه التوسع الإسرائيلي، فالليطاني، الذي يبعد نحو 30 كيلومترا عن الحدود، كان ينظر إليه في مراحل سابقة باعتباره الحد الشمالي لأي منطقة أمنية محتملة.
غير أن التطورات الأخيرة وتأكيدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أظهرت تجاوز القوات الإسرائيلية لهذا الخط، مع تسجيل وجودها في مناطق تقع شمال النهر.
أما نهر الزهراني، الواقع على بعد نحو 40 كيلومترا من الحدود، فقد برز خلال الأسابيع الأخيرة باعتباره الهدف التالي للتقدم الإسرائيلي، خاصة بعد صدور أوامر إخلاء وتحذيرات للسكان في مناطق تقع جنوبه.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات قد تعكس توجها نحو توسيع المنطقة العازلة إلى عمق أكبر داخل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، برزت منطقة زوطر الشرقية كإحدى أولى نقاط التقدم شمال الليطاني، بعدما انتقلت العمليات العسكرية من القرى الحدودية إلى مناطق تقع ضمن أقضية صيدا وإقليم التفاح.
كما سجل تقدم على محور الخيام باتجاه دبين، في مؤشر إلى اتساع رقعة التحركات العسكرية خارج النطاق الحدودي التقليدي.
وتعكس هذه التطورات تحولا لافتا في طبيعة الانتشار الإسرائيلي داخل جنوب لبنان، إذ لم يعد مقتصرا على السيطرة على تلال أو مواقع مراقبة، بل بات يرتبط بمحاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد من خلال “الخط الأصفر”، الذي تصفه إسرائيل بأنه إجراء أمني، بينما يراه منتقدوه محاولة لإقامة منطقة عازلة دائمة داخل الأراضي اللبنانية.
وفي ظل تغير الخريطة الميدانية بصورة شبه يومية، يبقى السؤال الأبرز مطروحا: هل يتوقف التقدم الإسرائيلي عند حدود الزهراني، أم أن الجنوب اللبناني مقبل على مرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط النفوذ والسيطرة تحت مظلة وقف إطلاق النار؟
توسع سيطرة إسرائيل في عمق جنوب لبنان بعد الهدنة يثير مخاوف من تحول دائم.









