تأتي خطوات جديدة في إفريقيا في ظل التداعيات الناجمة عن اندلاع حرب في إيران نهاية فبراير، والتي أثرت على الملاحة.
تشير التقديرات إلى أن كل مليار دولار يُستثمر في التصنيع في إفريقيا يمكن أن يساهم بما يصل إلى 280 مليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، ويزيد الإيرادات الحكومية والاستثمار في البنية التحتية الإقليمية بما يصل إلى 100 مليون دولار لكل منهما، ويوفر نحو 6 آلاف فرصة عمل.
وبعد أن كانت نيجيريا – أكبر مصدر للنفط الخام في إفريقيا بمتوسط 1.7 مليون برميل يومياً – تنفق 25 مليار دولار سنوياً لاستيراد النفط المكرر من الأسواق العالمية، أعلن أليكو دانغوتي، أغنى رجل في إفريقيا، عن استثمارات بقيمة 50 مليار دولار لرفع طاقة التكرير من 650 ألف برميل إلى 1.4 مليون برميل يومياً، لتصبح نيجيريا صاحبة أكبر مصفاة في العالم، متجاوزة مصفاة جامناغار الهندية.
وفي الأسبوع الماضي، أعلنت غانا البدء في تنفيذ خطة تهدف إلى معالجة 50 بالمئة من حبوب الكاكاو محلياً بحلول نهاية عام 2027، وذلك من خلال مبادرة “مصنع لكل منطقة”.
ومنذ عام 2025، زادت غانا استثماراتها في مجال تصنيع الكاكاو، حيث ساهمت عجينة الكاكاو وزبدة الكاكاو ومسحوق الكاكاو في نمو الصادرات بشكل ملحوظ.
وتعتمد مصانع الشوكولاتة العالمية، التي تبلغ تجارتها السنوية 100 مليار دولار، على إفريقيا في توفير 70 بالمئة من احتياجاتها من خام الكاكاو.
ورغم تراجع سعر طن الكاكاو في بورصة نيويورك في مارس إلى 3125 دولاراً، بعد أن بلغ ذروته في فبراير 2024 عند نحو 12,072 دولاراً، لم تسجل أي تراجعات في أسعار الشوكولاتة والمنتجات العالمية الأخرى التي يعد الكاكاو – الذي يأتي نصف إنتاجه من غانا وكوت ديفوار – مكوناً رئيسياً فيها.
وتدرس دول حزام النحاس والكوبالت الممتد بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا إرساء دعائم إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، كما تسعى غينيا إلى الارتقاء بسلسلة القيمة من البوكسيت إلى تكرير أكسيد الألومنيوم.
استعادة القيمة المضافة المهدرة
كشفت الحرب الحالية عن مواطن ضعف هيكلية جوهرية في القارة الإفريقية، تتمثل في الاعتماد المفرط على الواردات الباهظة الثمن المنتجة من خاماتها المحلية المصدرة للدول الصناعية.
وفقاً لورقة قدمها خولوفيلو كوجلر، الخبير في مؤسسة كاغنري، فإن المشاريع الجديدة تفتح نافذة أمل لإفريقيا، التي وصفها بـ”العملاق النائم”، لتثبت جدارتها في الاقتصاد العالمي من خلال رسم مسار جديد لمستقبل قطاعاتها الإنتاجية الرئيسية.
وأضاف خلال المؤتمر الوزاري الرابع عشر لمنظمة التجارة العالمية، الذي عقد الأسبوع الماضي في ياوندي بالكاميرون: “في ظل المناخ الجيوسياسي الراهن، لم يعد تعزيز النفوذ الاقتصادي العالمي لأفريقيا خياراً”.
لعقود طويلة، ظلت المعادن والمنتجات الزراعية تصدر خاماً من أفريقيا لتصنع في أوروبا أو أميركا، ثم تباع المنتجات النهائية بقيمة أعلى بكثير، مما يحقق قيمة مضافة للبلدان الغربية تصل أحياناً إلى 5 أضعاف ما يحصل عليه المزارع أو المنتج الأساسي في إفريقيا. وهو ما يعكس خللاً كبيراً في سياسات تسويق المنتجات الإفريقية وإدارتها، بحسب البروفيسور جورج أتشيمبونغ، أستاذ التسويق في جامعة أكرا.
وحتى عندما لا تتمكن الشركات الغربية من استرجاع عائدات استثماراتها في أفريقيا بشكل مباشر، فإنها تستفيد بطرق أخرى، مثل تمويل المشاريع عبر بنوك غربية والتأمين، إضافة إلى التحكم في الخدمات الهندسية وتوفير مدخلات التكنولوجيا والمعدات الثقيلة، ما يعني أن جزءاً كبيراً من سلسلة الأرباح يعود إلى شركات مقرها في الغرب.
وتتيح معظم تلك العقود للشركات الاحتفاظ بنسبة كبيرة من الأرباح وتحويلها إلى مقراتها الرئيسية في أوروبا أو أميركا، كما تسهم التسهيلات الكبيرة التي تحصل عليها في تدفق مستمر للمواد الخام منخفضة التكلفة إلى الأسواق الأوروبية والأميركية.
خلل تؤكده الأرقام
تعكس أرقام الموارد والفقر في إفريقيا فشلاً واضحاً في القدرة على توظيف الموارد بما ينعكس إيجاباً على حياة السكان.
فعلى الرغم من أن إفريقيا تضم نحو 60 بالمئة من الأراضي الزراعية و30 بالمئة من احتياطيات المعادن العالمية، مثل الذهب والكوبالت والبلاتين، إضافة إلى 12 بالمئة من احتياطيات النفط، فإن بلدانها لا تزال تواجه تحديات اقتصادية كبيرة.
ويعيش أكثر من 460 مليون شخص من سكان القارة، البالغ عددهم 1.5 مليار نسمة، تحت خط الفقر، ما يمثل أكثر من 60 بالمئة من فقراء العالم، بحسب تقديرات البنك الدولي، الذي يصنف 23 دولة إفريقية ضمن أكثر 30 دولة فقراً في العالم.
كما أدى ضعف الاستغلال الأمثل للموارد إلى تراكم ديون على بلدان القارة بلغت 1.3 تريليون دولار بنهاية عام 2025، مع تكلفة خدمة سنوية تصل إلى 100 مليار دولار، وفقاً لصندوق النقد الدولي.
ولا تزال معظم بلدان القارة تعاني من انخفاض مستويات الدخل، إذ يصنف البنك الدولي 22 دولة إفريقية ضمن أكثر 26 دولة انخفاضاً في الدخل عالمي.
إفريقيا تسعى للاستثمار في التصنيع لاستعادة القيمة المضافة المهدرة









