تُظهر التقارير أن إغلاق بعض المجالات الجوية في الدول المجاورة خلال فترات التوتر والصراع أدى إلى redirection واسع للرحلات الجوية، مما جعل المجال الجوي المصري وجهة رئيسية لهذه الرحلات. وتبين منصات تتبع الطيران حجم الازدحام المرتفع على الخطوط العابرة بين أوروبا ودول الخليج نتيجة هذا التحول القسري للحركة الجوية.
تأثر الحركة الجوية بشكل كبير بالتوترات الإقليمية، وتحديداً في الرحلات الطويلة التي تبحث دائمًا عن المسار الآمن والأقصر. وتفضل بعض هذه الرحلات المرور بمحاذاة خطوط المياه الإقليمية، مما يجعل أجواء البحر الأحمر ومنطقة بورتسودان ضمن النطاقات الجغرافية المحتملة لمرور جزء من هذه الحركة.
من الناحية النظرية، كان يمكن للسودان الاستفادة من هذه المتغيرات بفتح جزئي لمجاله الجوي ووضع ارتفاع أدنى للطيران، مثل 29 ألف قدم، لتمرير الطائرات العابرة دون التأثير على الأرض. غير أن تطور استخدام الطائرات المسيّرة غيّر المعادلة الأمنية جذريًا؛ إذ تصل بعض هذه المسيّرات لارتفاعات تتجاوز 65 ألف قدم، وهو ما يتجاوز نطاق الطيران التجاري التقليدي ويقع في منطقة التشغيل الخاصة بالطائرات النفاثة بعيدة المدى.
في ظل هذه المعطيات، يصبح فتح المجال الجوي دون ضمان السيطرة الكاملة على حركة المسيّرات مخاطرة تشغيلية لا تتوافق مع معايير السلامة الدولية، ولا مع المسؤوليات القانونية للدولة تجاه الطائرات العابرة وأرواح ركابها. فالسلامة الجوية ليست قرارًا اقتصاديًا بحتًا، بل التزام تقني يخضع لمعايير صارمة لا تسمح بأي هامش مخاطرة غير محسوب.
اقتصاديًا، تشير التقديرات إلى أن خسائر السودان من استمرار إغلاق مجاله الجوي تتراوح بين 160 و200 مليون دولار سنويًا نتيجة فقدان الرسوم والخدمات الملاحية. ومع ذلك، تُعتبر هذه الخسائر — على جسامتها — أقل كلفة من تبعات حادث جوي محتمل قد ينجم عن بيئة تشغيلية غير آمنة. ولا يقتصر الأمر على المجال الجوي فحسب، إذ إن عددًا من المطارات السودانية لا يزال في مرحلة التعافي الفني والتشغيلي في جانب السلامة، ما يحد من جاهزيتها للقيام بدور المطارات المناوبة للطوارئ.
إن استئناف الحركة الجوية في الأجواء السودانية لا يمكن أن يكون قرارًا سياسيًا أو اقتصاديًا فقط، بل يجب أن يسبقه شرط أساسي لا غنى عنه وهو ضمان السيطرة الكاملة على المجال الجوي ومنع أي تحركات غير منضبطة للمسيّرات. فبدون تحقيق هذا الشرط، يظل فتح الأجواء خطوة عالية المخاطر، لا تتسق مع مبادئ سلامة الطيران ولا مع المسؤوليات التنظيمية للدولة أمام المجتمع الدولي.









