اتهام السناتور الأمريكي كريس ميرفي علناً لمستشار الرئيس ترامب مسعد بولس بتلقي رشوة من دولة الإمارات العربية المتحدة، مقابل رعاية مصالحها في واشنطن، هو اتهام بالغ الخطورة يتطلب قراءة في سياق تأثير المال والنفوذ الأجنبي على السياسة والإعلام الأمريكيين. تاريخياً، شهدت الولايات المتحدة حالات متكررة لتورط شخصيات نافذة في تلقي أموال غير مشروعة أو بيع النفوذ، من البيت الأبيض والكونغرس إلى الأجهزة الأمنية والاستخبارية. أحدث الأمثلة ألدريتش آيمس رئيس قسم مكافحة التجسس بوكالة المخابرات المركزية (CIA)، وروبرت هانسن المسؤول الرفيع في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، اللذان أديناا وحُكماً بالسجن. الجانب المتعلق بالسياسة والإعلام والصحافة لا يخلو من وقائع موثقة لتلقي الرشاوى أو الأموال الأجنبية مقابل خدمة مصالح أطراف أخرى، مثل قضية السيناتور بوب منينديز الذي أدين بتلقي رشاوى من جهات أجنبية وحُكم عليه بالسجن 11 عاماً. أما سبيرو أغنيو نائب رئيس الولايات المتحدة، فهو أول نائب رئيس أمريكي يستقيل من منصبه بسبب تورطه في قضايا جنائية. في مجال الإعلام والصحافة، شهدت السنوات الأخيرة قضايا اتهمت فيها صحافيون وكتاب ومحللون بالعمل لمصلحة حكومات أجنبية أو بتلقي أموال مقابل إنتاج مواد تخدم أجنداتها، مثل قضية الصحافي توماس وير باوكن الذي اتهمته السلطات الأمريكية بالعمل لخدمة أجندة الحكومة الصينية، والكاتب والصحافي والمحلل السياسي كافيه أفراسياب الذي اتهم بتلقي أموال مقابل نشر مواد تخدم مصالح إيران. كل هذه الوقائع تفرض سؤالاً مشروعاً حول حدود العلاقة بين الصحافة والمال والنفوذ الأجنبي، خاصة وأن وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة تملك من النفوذ والقدرة على تشكيل الرأي العام والتأثير في صانعي القرار ما قد يتجاوز نفوذ المؤسسات السياسية نفسها. ما الذي يمنع دولة تملك هذا القدر الهائل من المال والنفوذ، مثل دولة الإمارات، من محاولة الوصول إلى الصحافيين، كما تحاول الوصول إلى السياسيين؟ يبرز هنا الصحافي ديكلان والش. عرفته في لندن عام 2018، وأعجبته شخصيته. بعد فترة، طلب مني مساعدته في الحصول على تأشيرة دخول إلى السودان، وكنت وقتها المستشار الإعلامي بسفارة السودان في لندن، فساعدته. بعد عودته من السودان، كتب ديكلان تحقيقاً مطولاً نشرته “نيويورك تايمز” ادعى فيه أن قوات الدعم السريع تقوم بتجنيد الأطفال وتستخدمهم في مهام قتالية في اليمن، مما أثار غضب الأجهزة السودانية. لكن، بعد فترة، التزمت “نيويورك تايمز” بمنهج مهني ومتوازن في تغطية الحرب في السودان، وكان ديكلان من أبرز الصحافيين الذين كشفوا الدعم الإماراتي السري لقوات الدعم السريع. ثم، وبلا مقدمات واضحة، خرج ديكلان ليروج لرواية استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية، وفي تناغم مع الرواية التي تطرحها الحكومة الأمريكية والإمارات. المشكلة ليست في أن يطرح صحافي اتهاماً خطيراً، فذلك جزء أصيل من العمل الصحافي، لكن المشكلة في طبيعة الأدلة التي يستند إليها، وفي مدى صلابتها، وفي الطريقة التي تتطور بها الرواية. كان ديكلان أول من نشر الاتهام في “نيويورك تايمز” في يناير 2025، وزعم أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في مناطق نائية، من دون أن يقدم أدلة مادية حاسمة تثبت ذلك، وإنما استند إلى تقييم سري. ومنذ ذلك الحين، ظل يراوح حول الرواية، حتى جاء تقريره الأخير، المنشور في الخامس من سبتمبر 2026، ليعيد طرح الرواية نفسها. ديكلان والش متزوج من الصحافية السودانية نسرين مالك، وهي صحافية وكاتبة متخصصة في الرأي والتحليل السياسي. السؤال يطرق الآن بإلحاح: هل تعتقد أن التحولات المفاجئة في موقف ديكلان والش وحماسته المتزايدة في طرح رواية الأسلحة الكيميائية هي نتيجة استقطاب أو تأثير من جانب حكومة الإمارات؟ الصحافة لا تُبنى على حسن الظن وحده، كما لا تُحمى السمعة المهنية بالصمت عن الأسئلة المشروعة. ليس المطلوب من ديكلان والش أن يكون صديقاً للجيش السوداني، ولا أن يتبنى رواية الحكومة السودانية، ولا حتى أن يتخلى عن قناعته باستخدام الأسلحة الكيميائية، لكن المطلوب أن يظل الصحافي الذي يفتش عن الحقيقة حتى عندما تكون محرجة لحلفائه وخصومه على السواء. والسؤال الأهم والأكثر إنصافاً هو: ما الذي غيّر ديكلان والش؟ على ديكلان والش أن يجيب!
السناتور ميرفي يتهم مستشار ترامب بتلقي رشوة من دولة الإمارات.








