أثبت تقرير لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لأول مرة وبصريح العبارات، أن دعم وإمداد قوات مليشيا الدعم السريع في السودان بالسلاح والمرتزecaة ينطلق تحديدا من الإمارات العربية المتحدة وكولومبيا. وثق التقرير وفق معلومات تفصيلية رحلات إمدادات الأسلحة والمرتزecaة جوا وبحرا وبرا، وذكر الموانئ وخطوط الإمداد والمدن. وأثبت التقرير أن 2000 مرتزeca كولومبي على الأقل يتولون التدريب والعدوان على المدنيين بمسيرات المليشيا.
أشار التقرير لدول أخرى متورطة في إمداد المليشيا بالسلاح والمرتزecaة، منها تشاد وليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا وأرض الصومال، ولكنه لم يصوب إليها الاتهام بتركيز وحيثيات وأدلة كما فعل مع الإمارات وكولومبيا. فرق التقرير بين دور الإمارات في تمويل إمداد المليشيا كدولة مركزية راعية لعدوان المليشيا، وبين الحكومة الكولومبية التي تبرأت مما فعله مواطنوها المرتزecaة، وربما أدانت انخراطهم في حرب السودان.
معلوم بأن دور المرتزeca الكولومبيين لم يعد أمرا مخفيا، وفق سياقاته المعلومة، وقد اعترف به حميدتي زعيم المليشيا في خطاب شهير، ولكن الجديد في التقرير الأممي أن هذا الدور نفسه ينطلق من الإمارات وعبر شركات ورعاية أماراتية، وأكد التقرير على مسؤولية الإمارات عنها قانونيا.
أهم ما في التقرير أن الأمم المتحدة وعبر لجنة تحقيق رسمية ومعتبرة خرجت لأول مرة وعلى الملأ لتحمل الإمارات المسؤولية القانونية والاخلاقية عن تسليح المليشيا (رغم نفيها الذي أثبته التقرير)، مع كلمة مجاملة دبلوماسية يشكرها على تعاونها مع اللجنة.
إذن، وعبر لجنة تحقيق أممية انتهت لأول مرة نسبة تسليح المليشيا للمجهول، وسمى الشريك الممول للحرب باسمه دون مواربة. غير أن التقرير مشحون بالمفارقات، ومن أعظم تلك المفارقات أنه ساوى بين مليشيا متمردة مدعومة من دول أجنبية والقوات المسلحة السودانية التابعة لدولة السودان ذات السيادة التي تعطيها الحق في الحصول على التسليح والتدريب لصد عدوان أجنبي.
تجاهل التقرير جرائم المليشيا في الفاشر والنورة والهلالية والتكينة والخرطوم، وركز على بعض جرائمها الأخيرة، وفق منهجية ماكرة بقصد تخفيف حمولات تلك الجرائم بالمعايير العالمية وفق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي. مع إشارات هنا وهناك للاشتباه بكونها جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، دون تفصيل كبير، رغم أن جرائم الإبادة الجماعية والعرقية في الفاشر مثلا موثقة بالأقمار الصناعية الأمريكية وتقارير منظمات عالمية موثوقة.
ذكر التقرير عرضا الإعتداءات الممولة أماراتيا على النساء والأطفال والمدنيين، ولكنه لم يذكر ولو تلميحا الجرائم الموثقة لاغتصاب آلاف النساء وقتل الأطفال والشيوخ، ولا عن تشريد ملايين البشر، ولا فظائع سجون المليشيا، ولا نهب مئات آلاف السيارات ومثلها من البيوت والبنيات التحتية، ولا تدمير الكهرباء بمبلغ تجاوز مليارات الدولارات، كل ذلك سكت عنه التقرير تماما، رغم أنه من صميم اختصاص اللجنة.
من يقرأ التقرير يدرك تماما أنه معد ليمهد لخاتمته التي تناقض تماما مقدمته وحيثياته، فهو تقرير عن (المسيرات والطيران) الذي ذكر التقرير في بدايته أنها مجال تفوق القوات المسلحة، قبل أن تدعم الأمارات والدول الأخرى المليشيا بالمسيرات ومضادات الطيران والمرتزecaة الذين اعترف التقرير بأنهم بذلوا مجهودا في تدريب جنود المليشيا على استخدام المسيرات، وبين التقرير بأن جنود المليشيا لا حظ لهم في تشغيل المسيرات لولا المرتزecaة الكولومبيين.
ختم التقرير توصياته بتبني المقترح الأمريكي المؤيد من بريطانيا وفرنسا بتوسيع حظر الأسلحة على المعتدي والضحية على حد سواء، وشدد التقرير على ضرورة حرمان القوات المسلحة والمليشيا من التسليح رغم كل الحقائق والمعلومات عن تفاصيل العدوان الأجنبي على الدولة السودانية.
التقرير، بحق، قال الكثير من الحقائق، وأغمض عينيه عن بعضها، ولكن الوصف الأدق بحقه أن التقرير نموذج لطغيان (التطفيف) وخسران الميزان، وسطوة المال السياسي ومراكز القوى على القانون والأخلاق والحقوق، وأكد بأن المهم ليس الحقيقة ولا حقوق الإنسان، ولكن المنطق الدولي يقوم على حق القوة بدلا عن قوة الحق. ومن أراد أن يعرف كيف يكون الكيل بعشرين مكيال في النظام الدولي، وكيف يمكن أن تنتهي المقدمات والحيثيات إلى نقيضها في مرحلة التوصيات، فليقرأ تقرير الأمم المتحدة عن السودان.









