رسمياً، أعلن بنك السودان المركزي السماح للمصارف بتعديل أسعار الصرف في أي وقت خلال اليوم، ربطاً ذلك صراحة بقوى العرض والطلب. كما رفع البنك بعض القيود السابقة وسمح للمصارف التجارية بشراء حصائل الصادر وفقًا لأسعارها المعلنة. هذه الخطوة تعني عملياً توسيع مساحة السوق في تحديد سعر الصرف.
تتمثل أهمية هذه الخطوة وخطورتها في أنها تدفع السوق خطوة إضافية نحو ترك سعر الصرف لقوى العرض والطلب، وهو ما قد يكون تمهيداً لتعويم أوسع وأكثر شمولاً للجنيه السوداني، حتى وإن لم يستخدم البنك المركزي صراحة مصطلح «التعويم».
منذ أمس، ظهرت مؤشرات على تزايد حالة التذبذب في أسعار العملات الأجنبية، ليس فقط الدولار، وإنما أيضاً الريال السعودي والدرهم الإماراتي والجنيه المصري. هذه التذبذبات تكشف أن السوق بدأ يحاول اكتشاف السعر الجديد وفق للتطورات الجديدة، وأن مرحلة ما بعد المنشور قد لا تكون شبيهة تماماً بما قبلها.
السؤال المهم هنا ليس لماذا اتخذ بنك السودان هذه الخطوة، وإنما ماذا يملك البنك المركزي حتى يقدم على هذه الخطوة في هذا التوقيت؟ يبدو أن محافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني ما كانت لتلجأ إلى خطوة بهذه الجرأة، في ظل سوق شديد الحساسية للعملات الأجنبية واقتصاد في مرحلة تعافي، ما لم تكن هناك قراءة واضحة لموقف الاحتياطي النقدي وقدرة البنك على التدخل عند الضرورة.
ربما يكون أحد الاحتمالين قائماً، إما أن البنك المركزي لديه احتياطي معتبر من العملات الأجنبية يسمح له بامتصاص الصدمات والتدخل متى تجاوز السوق الحدود المقبولة، أو أن لديه مخزوناً كبيراً من الذهب أو أصولاً يمكن توظيفها لتوفير السيولة بالنقد الأجنبي عند الحاجة.
التعويم، أو الاقتراب منه، ليس قراراً إدارياً بسيطاً، إنه بالضبط رهان الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي من الصادرات والتحويلات والاستثمارات والإنتاج، وعلى قدرة البنك المركزي على منع السوق من الانفلات إذا حدثت موجة طلب مفاجئة، تحديداً من تجار الوقود وبعض الموردين الكبار.
إذا كان البنك المركزي قد اتخذ هذه الخطوة وهو يمتلك أدوات قوية للتدخل، فإننا أمام إعادة ترتيب مدروسة لسوق النقد الأجنبي قد تساعد، على المدى المتوسط، في تقليص الفجوة بين الأسعار وتحسين آليات السوق. أما إذا كانت الخطوة قد اتُخذت في ظل احتياطي ضعيف ودون شبكة أمان كافية، فإن المخاطر ستكون كبيرة، وقد يتحول تحرير السعر من أداة للإصلاح إلى وقود لموجة جديدة من التضخم وانخفاض القوة الشرائية للجنيه.









