ويطوي الإعلان، الذي وصفه محللون بأنه تاريخي، ملفاً شائكاً استمر منذ سقوط النظام السابق، وجاء بعد سلسلة من اللقاءات والاتفاقات المتعثرة بين دمشق و قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، لكنه يفتح، في المقابل، أسئلة بشأن مستقبل الملف الكردي، والضمانات الدستورية للحقوق الثقافية والتعليمية، وآليات دمج المقاتلين في الجيش والأجهزة الأمنية.
وخلال حديثهما، قدم المحلل السياسي عبد الكريم العمر والكاتب والباحث السياسي رستم محمود قراءتين متكاملتين للخطوة؛ إذ ركز العمر على استعادة وحدة الدولة وحصر السلاح بيدها، بينما وضع محمود التزام دمشق بحقوق الأكراد في صدارة الاختبارات المقبلة.
مسار معقد ينتهي بحل قسد
اعتبر العمر إعلان الحل “خطوة تاريخية” تنهي إشكالاً معقداً نشأ بعد تحرير سوريا. وأشار إلى أن المسار بدأ بلقاءات في مطار الضمير العسكري بين الرئيس أحمد الشرع و مظلوم عبدي، قبل التوصل إلى اتفاق تعثر تنفيذه مراراً.
وأضاف أن صدور المرسوم رقم 13، الذي منح الأكراد حقوقاً ثقافية، مهّد لبدء عملية الدمج التي انتهت بإعلان حل ” قسد ” والإدارة الذاتية، نتيجة جهود بذلها الطرفان تحت شعار “سوريا أولاً”.
وأكد العمر أن القيادة السورية سعت منذ سقوط النظام السابق إلى توحيد البلاد أرضاً وشعباً، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع المشاريع الانفصالية أو الكونفدرالية والدعوات إلى التقسيم.
وأشار إلى وجود إجماع عربي ودولي على وحدة سوريا واستقرارها، موضحاً أن الاتفاق الأخير نفذ برعاية المبعوث الأميركي توم براك، وبمساهمة من رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، الذي أجرى اتصالات مع الرئيس الشرع.
ويرى العمر أن الاندماج لا رجعة عنه، معتبراً أن من ينضم إلى مؤسسات الدولة ثم يعود إلى العمل ضمن فصيل مستقل يُعد “خائناً لسوريا”. واستشهد بما وصفه بـ”ميليشيا الهجري”، التي قال إنها لا تزال تراهن على “الأوهام الإسرائيلية” ومشاريع الحكم الذاتي أو الاستقلال.
مظلوم عبدي يعلن حل قسد والإدارة الذاتية
لا ضغائن بين دمشق والأكراد
نفى العمر وجود حساسية بين الحكومة السورية الحالية والمكون الكردي، معتبراً أن التهميش والتجنيس القسري اللذين تعرض لهما الأكراد كانا من إرث النظام السابق، وليس من سياسات الدولة الجديدة.
ووصف المرسوم رقم 13 بأنه من أكثر المراسيم إنصافاً للأكراد في المنطقة، مذكراً بمشاركتهم في الثورة السورية منذ بداياتها، من مشعل تمو إلى إعلان دمشق.
وأشار إلى أن الرئيس الشرع، خلال لقائه ممثلي المكون الكردي في عفرين، لم يمنع أحداً من المطالبة بحقوقه. كما استشهد باحتفالات نوروز عام 2025، التي شهدت، وفق قوله، رفع العلم الكردي في أحياء دمشق للمرة الأولى، بعدما كان ذلك محظوراً في عهد النظام السابق.
الملف الكردي لم يغلق
من جهته، أكد رستم محمود أن القوى الكردية لا تتبنى مشروعاً انفصالياً، موضحاً أن “قسد” نشأت في ظروف استثنائية، بعدما تركت مؤسسات النظام السابق مناطق شمال شرقي سوريا عرضة لهجمات التنظيمات المتطرفة، ما دفع السكان إلى حمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم.
وقال محمود إن هذه المواجهات كلفت القوى الكردية نحو 25 ألف قتيل وعشرات آلاف الجرحى، مؤكداً أن جميع الأطراف المرتبطة بـ”قسد”، على اختلاف توجهاتها، التزمت قرار حل نفسها.
يرى أن التحدي الحقيقي لم يعد في موقف “قسد”، بل في مدى التزام السلطة المركزية بواجباتها الدستورية والأخلاقية، محذراً من تكرار ما جرى في الساحل والسويداء، ومطالباً بمنح مقاتلي “قسد” مكانة رمزية مماثلة لشهداء الثورة.
ورغم وصفه المرسوم رقم 13 بالخطوة الاستثنائية، يرى محمود أنه غير كافٍ، داعياً إلى تثبيت الحقوق الثقافية والتعليمية للأكراد دستورياً.
وأشار إلى عدم وجود سفير كردي بين نحو 60 و70 سفيراً سورياً، ووجود وزير واحد لا يمثل الحراك السياسي الكردي، فضلاً عن غياب إطار قانوني يسمح بتأسيس أحزاب وهيئات مدنية كردية.
العقيدة العسكرية ودور النساء
انتقد محمود تخصيص ساعتين اختياريتين فقط لتعليم اللغة الكردية، مقابل حضور واسع للغات الأجنبية، مؤكداً أن المطلب الكردي يقوم على المساواة لا التمايز.
كما دعا دمشق والقوى الكردية إلى الاتفاق على عقيدة عسكرية مهنية ومحايدة تجاه التوجهات السياسية والأيديولوجية والمناطقية والجندرية.
وأوضح أن الخلاف بشأن مشاركة النساء لا يزال قائماً، إذ تفضل دمشق وجودهن في الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية، بينما تطالب “قسد” بقوة نسائية رمزية داخل الجيش.
وبحسب محمود، لا يتعلق الأمر بتنازلات من طرف لآخر، بل بتوافقات يمكن إنجازها إذا استمرت النوايا الإيجابية، بما يضمن انتقال قرار الحل من إعلان سياسي إلى اندماج مستدام داخل دولة سورية موحدة.
حل قوات سوريا الديمقراطية قسد ينهي ملفاً معقداً منذ سنوات









