إنها خنفساء النار “ميلانوفِيلا أكوميناتا”، التي طورت عبر الزمن منظومة حسية غير عادية تساعدها على العثور على الغابات المشتعلة. وقد تحولت هذه القدرة إلى مصدر إلهام للباحثين الساعين إلى تطوير أجهزة أكثر حساسية للكشف المبكر عن الحرائق.
لماذا تبحث خنفساء عن حريق؟
بالنسبة إلى خنفساء النار، لا تمثل النيران كارثة يجب الفرار منها، بل توفر بيئة مهمة لاستمرار دورة حياتها.
تتجه الخنافس البالغة إلى مناطق الحرائق ، وبعد التزاوج تضع الإناث بيضها تحت لحاء الأشجار المحترقة حديثا. وعندما تفقس اليرقات، تجد في الأشجار المتضررة بيئة مناسبة للنمو، مع انخفاض بعض أشكال المنافسة والدفاعات الطبيعية للأشجار.
ولهذا كان على خنفساء النار حل مشكلة غير مألوفة في الطبيعة: كيف تعثر على حريق في الغابة؟ .. الإجابة تكمن في جسمها نفسه.
جهاز إنذار طبيعي
تمتلك خنفساء النار “ميلانوفِيلا أكوميناتا” عضوين حسيين متخصصين في منطقة الصدر قادرين على التقاط الأشعة تحت الحمراء المرتبطة بالحرائق.
ويضم كل عضو مستقبلات دقيقة تستجيب للإشعاع الحراري، بما يساعد الحشرة في رصد مصدر للنيران والتوجه نحوه.
كما أظهرت أبحاث أن قرون استشعار خنافس النار تستطيع اكتشاف مركبات كيميائية مرتبطة بدخان الأخشاب المحترقة. أي أن الخنفساء لا “تسمع” الحريق حرفياً، وإنما تستخدم الأشعة تحت الحمراء وإشارات كيميائية مرتبطة بالدخان للعثور عليه.
هل ترصد النار من أكثر من 100 كيلومتر؟
هنا تصبح القصة أكثر إثارة، لكنها تحتاج أيضاً إلى الحذر.
فقد أشارت بعض الدراسات المتعلقة بالمستشعرات المستوحاة من خنفساء النار إلى إمكانية رصدها حرائق كبيرة من مسافات بعيدة جداً، ووردت تقديرات تصل إلى أكثر من 100 كيلومتر.
لكن دراسات أخرى شككت في دقة هذه التقديرات، معتبرة أن الأدلة لا تكفي لإثبات أن الأشعة تحت الحمراء وحدها تمكّن الخنفساء من اكتشاف الحريق من مثل هذه المسافات.
لذلك، فإن الحقيقة العلمية الأكثر ثباتاً ليست المسافة المحددة، وإنما الحساسية الاستثنائية لنظام الاستشعار الذي تمتلكه خنفساء النار. وهذه تحديداً هي الخاصية التي جذبت اهتمام العلماء.
من جسم الخنفساء إلى مختبرات العلماء
بدلاً من الاكتفاء بدراسة هذه القدرة، بدأ الباحثون يسألون: ماذا لو أمكن تقليد جهاز الاستشعار الطبيعي لدى خنفساء النار؟
وعمل باحثون على تطوير مستشعرات حرارية دقيقة مستوحاة من مستقبلات “ميلانوفِيلا أكوميناتا”، في محاولة للاستفادة من الطريقة التي تتعامل بها مع الأشعة تحت الحمراء.
وتقوم بعض التصاميم التجريبية على غرف صغيرة مملوءة بسائل؛ فعندما تمتص الأشعة تحت الحمراء ترتفع حرارتها ويتمدد السائل، مولداً تغيراً في الضغط يمكن تحويله إلى إشارة قابلة للقياس.
لم تتوقف الفكرة عند تصنيع مستشعر منفرد، إذ بحث علماء أيضاً إمكانية الاستفادة من آليات خنفساء النار في تطوير أنظمة للكشف المبكر عن حرائق الغابات تجمع بين الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء وأساليب بحث مستوحاة من الحشرة.
الطبيعة تقدم فكرة لمواجهة الحرائق
المفارقة أن حشرة صغيرة تبحث عن النار لاستمرار دورة حياتها قد تقدم للإنسان أفكاراً تساعده على اكتشاف الحرائق مبكراً.
فبينما تعتمد مكافحة حرائق الغابات الحديثة على الأقمار الاصطناعية والكاميرات والطائرات والمستشعرات، تكشف خنفساء النار عن حل طورته الطبيعة: جهاز بالغ الصغر والحساسية للإشعاع الحراري، مرتبط بمنظومة تساعد الحشرة في البحث عن مصدر النار.
ولا يعني ذلك أن “ميلانوفِيلا أكوميناتا” تحولت بالفعل إلى نموذج جاهز لإنقاذ الغابات ، أو أن التقنيات المستوحاة منها حلت محل أنظمة الإنذار الحالية. فما توصل إليه الباحثون يتمثل أساساً في تقنيات ونماذج تعتمد على المحاكاة الحيوية، ولا تزال موضع تطوير ودراسة.
وهكذا، بينما تهرب معظم الكائنات من ألسنة اللهب، تطير خنفساء النار في الاتجاه المعاكس، مسترشدة بإشارات الحرارة والدخان. والقدرة التي تقودها إلى الغابة المحترقة قد تساعد العلماء يوماً على اكتشاف الحريق قبل أن يتحول إلى كارثة.
خنفساء النار تستخدم الأشعة تحت الحمراء للعثور على الحرائق وتحفيز البحث العلمي.









