Home / سياسة / السودان أمام فرصة تاريخية لاستعادة مكانته في الملاحة الجوية الإفريقية.

السودان أمام فرصة تاريخية لاستعادة مكانته في الملاحة الجوية الإفريقية.

السودان أمام فرصة تاريخية لاستعادة مكانته في الملاحة الجوية الإفريقية.

تداولت الأوساط الإعلامية والإلكترونية أنباء عن احتمال إغلاق إريتريا مجالها الجوي أمام الخطوط الجوية الإثيوبية، ورغم غياب تأكيد رسمي حتى الآن، فإن مجرد تداول هذه الأنباء يستحق الوقوف عنده، ليس من زاوية الخلاف بين أسمرة وأديس أبابا، وإنما من زاوية أوسع تتعلق بمستقبل الملاحة الجوية في شرق إفريقيا، وما إذا كان السودان مستعدًا لاستثمار أي تغير محتمل في خارطة الممرات الجوية.

لقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن إغلاق المجال الجوي السوداني لم يكن خسارة للسودان وحده، بل كان خسارة لشبكة النقل الجوي في القارة الإفريقية بأكملها. فالمجال الجوي السوداني لم يكن مجرد فضاء تعبره الطائرات، بل كان أحد أهم الممرات الجوية التي تربط أوروبا والشرق الأوسط بشرق ووسط وجنوب إفريقيا، ولذلك اضطرت شركات الطيران منذ أبريل 2023 إلى البحث عن مسارات بديلة أطول وأكثر تكلفة.

واليوم، إذا صحت الأنباء المتداولة بشأن تقييد استخدام المجال الجوي الإريتري أمام الخطوط الجوية الإثيوبية، فإن أحد أهم البدائل التي اعتمدتها الشركة خلال الفترة الماضية قد يصبح أقل فاعلية، الأمر الذي قد يدفع العديد من شركات الطيران إلى إعادة تقييم مساراتها التشغيلية، بحثًا عن ممرات أقصر وأكثر كفاءة.

وهنا ينبغي ألا يكتفي السودان بمتابعة الأحداث، بل يجب أن يستعد لها.

فالمجال الجوي السوداني، بحكم موقعه الجغرافي، سيظل أحد أهم الممرات الجوية في إفريقيا، مهما طال إغلاقه. والجغرافيا لا تتغير، لكن الدول الناجحة هي التي تستثمر موقعها عندما تتهيأ الظروف.

ومن هذا المنطلق، ينبغي على دائرة الملاحة الجوية السودانية أن تبدأ، من الآن، اتصالاتها الفنية مع المكتب الإقليمي لمنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، إلى جانب التنسيق الوثيق مع سلطة الطيران المدني والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية المختصة، لوضع تصور عملي لإعادة تشغيل أجزاء آمنة من المجال الجوي السوداني بصورة مرحلية عندما تسمح الظروف بذلك.

وقد يكون من المناسب دراسة إنشاء ممرين جويين آمنين (Flight Corridors)، أحدهما في القطاع الشمالي الغربي، والآخر في القطاع الجنوبي الشرقي، بحيث يخضعان لدراسات فنية دقيقة لتقييم المخاطر، مع تحديد الإحداثيات، والعرض، ومستويات الطيران، وإجراءات الفصل والمراقبة الجوية، بما يتوافق مع معايير منظمة الطيران المدني الدولي ويضمن أعلى مستويات السلامة.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الممرات باعتبارها حلًا خاصًا بالخطوط الجوية الإثيوبية، بل باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا يخدم جميع شركات الطيران التي ستبحث عن أقصر الممرات الجوية وأكثرها أمانًا عند استقرار الأوضاع.

ومن واقع خبرة إدارة الملاحة الجوية، فإن التخطيط المسبق يمثل نصف النجاح. فإعداد الدراسات الفنية، وإجراء تقييمات المخاطر، والتنسيق مع الجهات العسكرية والأمنية، والتشاور مع المكتب الإقليمي للإيكاو، كلها أعمال يمكن إنجازها قبل اتخاذ قرار إعادة فتح المجال الجوي. وعندما يحين الوقت المناسب، تكون الدولة جاهزة للتنفيذ بدلًا من الانشغال بالتخطيط.

إن صناعة الطيران لا تنتظر المترددين. فالفرص تذهب إلى الدول الجاهزة، لا إلى الدول التي تبدأ التفكير بعد أن تتغير الظروف.

وإذا كانت التطورات الإقليمية الحالية تمثل إرهاصات لإعادة رسم خريطة الملاحة الجوية في شرق إفريقيا، فإن السودان يمتلك فرصة تاريخية لاستعادة مكانته الطبيعية. لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع إلا إذا بدأ الإعداد لها اليوم، برؤية فنية، وتنسيق مؤسسي، وإرادة وطنية تستشرف المستقبل.

فالمجال الجوي السوداني ليس عبئًا في زمن الأزمات، بل هو أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة، وحسن استثماره سيكون جزءًا من مرحلة التعافي الاقتصادي واستعادة الدور الإقليمي للسودان في قطاع الطيران المدني.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *