Home / سياسة / لماذا لقاء بولس وكباشي يعيد حرب الكرمك إلى أذهان السودانيين؟

لماذا لقاء بولس وكباشي يعيد حرب الكرمك إلى أذهان السودانيين؟

لماذا لقاء بولس وكباشي يعيد حرب الكرمك إلى أذهان السودانيين؟

سيناريو على الماشي عن لقاء بولس وكباشي- حين تقاسم جرداق والهادي آدم هِزة المنابر- وحين دارت كؤوس العاشقين بين “أغدًا ألقاك” و”هذه ليلتي- كتب مجموعة من الأخوة الصحفيين، بأشواق مختلفة وأشواك مختلفة، عن لقاء الفريق كباشي، عضو مجلس السيادة، بالسيد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والشرق أوسطية، وفوق ذلك فالرجل حسيب نسيب، فابنه مايكل متزوج من تيفاني ترامب، يعني باختصار المسألة السودانية أصبحت (زيتنا في بيتنا).

وقد امتلأت الأسافير بأخبار هذا اللقاء، خاصة من المعارضين، ولكأنه صنع خصيصًا لتغبيش سيرة وصورة الانتصار الكبير الذي حققه الجيش السوداني ومقاومته الشعبية بتحرير مدينة الكرمك التاريخية والإستراتيجية. ولأني من جيل تكسّرت على قلبه وعقله كل رماح ونصال الهزائم الإسلامية والعربية والأفريقية والسودانية، فقد فقدنا الدهشة في كل حدث دون ذلك، فقد تكسّرت النصال على النصال.

وفي ظني البريء، وإن بعض الظن إثم، إلا أن إثمي هنا إثم حلال، فالسيناريو عندي، دون أن أرجع لمصدر، متكئًا على خيال التجربة ويقين التكرار، أن المهجري مسعد بولس قد علم مصادفة بوجود الفريق كباشي بالقاهرة، إما للاستشفاء، وإما للراحة، وإما حالة بين هذا وذاك، فاتصل به مهاتفًا، هامسًا بلغة أهل لبنان الوادعة: (يسعدلي هالطلة يا سعادتو، هل تسمح بفنجان قهوة في حضرتك؟). ولأن تلقائية السودانيين، من الخفير إلى الوزير، تسبق نظرية المؤامرة، فقد قال سعادة الفريق بلطفنا الأسمر المعهود: (تشرّف في أي وقت يا خواجة)، فالصدر مفتوح، والبساط أحمدي.

وقد تم اللقاء، ولست معنيًا لا بالزمان ولا بالمكان، ولكنني تخيلت أن الأنس البريء قد دار حول موضوعات من السمر الشفيف، قصيدة جورج جرداق لأم كلثوم، خاصة وأن اللقاء كان في القاهرة، وقرأ سعادة الفريق المثقف حزمة من الأبيات الندية للشاعر اللبناني: ياحبيبي طاب الهوى ماعلينا لو حملنا الأيام فى راحتينا صدفة أهدت الوجود الينا وأتاحت لقاءنا فالتقينا فى بحار تئن فيها الرياح ضاع فيها المجداف والملاح كم اذل الفراق منا لقاء كل ليل اذا التقينا صباح ياحبيب قدّ طال فيه سهادي وغريب مسافر بفؤادي سوف تلهو بنا الحياة وتسخر فتعال احبك الآن اكثر سهر الشوق فى العيون الجميلة حلم آثر الهوى ان يطيله اكتشاف المزيد حروب وصراعات أدلة سفر وقصص الرحلات الأخبار كرة قدم العرب وشعوب الشرق الأوسط هيئات تنفيذية سياسة مراجع جغرافية هنا تبخرت كل لفحات الهواء السياسي الساخن، وعادت نسمات الرضى الشرقي، وصاح مسعد في لهفة العشاق والصالحين: (الله الله يا سعادتك)، يا لحلاوة هذا الصوت الندي والإلقاء المليح. فرد عليه سعادته كباشي: (ألا تعلم يا سعادة المستشار أنني كنت محاضرًا بكلية الأركان، ولي تلاميذ دائمًا ما استريح معهم ببعض أطايب الكلام، هروبًا من النظريات الاستراتيجية في الحرب والمواجهة). وردًا للجميل، فقد قال مسعد بولس إن قصيدة جرداق لا يكافئها في المنافسة إلا قصيدة الشاعر السوداني الأسمر العريق الهادي آدم في رائعة أم كلثوم «أغدًا ألقاك»: يا خوف فؤادي من غد. وكانت دهشة كباشي كبيرة حين قرأ مسعد بولس بعض مقاطع شاعرنا الكبير وأغنية الست بنبرة أزهى من نبرة الإعلامي ووزير الثقافة المقال جورج قرداحي: الشعوب الإفريقية وشعوب الشتات.

وغداً تأتلق الجنة أنهاراً وظلاّ وغداً ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولّى وغداً نزهو فلا نعرف للغيب محلا وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا قد يكون الغيب حلواً.. إنما الحاضر أحلى وبعد البيت الأخير في قصيدة الهادي وأغنية ثوما، افتر ثغر بولس بابتسامة راضية، قائلًا: (هذه بتلك يا كباشي!). وهنا دارت أقداح القهوة بريح طيب وعطر فواح، ونادل وضيء، فقال بولس وهو يرتشف الرشفة الأولى ويمتصها في تحنان: إنها قهوة تستحق شعرًا يا سعادة الفريق. وكان للكباشي ولع قديم بأشعار اللبنانيين في المهاجر، وفي الشعر العربي مواجد كثيرة وغزل فياض في القهوة بدلالاتها المختلفة وبأسمائها العامرات، ولاشتغال المحل بحركة المناسبة، فقد اختار أبياتًا من القصيدة الشهيرة لشاعر لبنان الكبير إيليا أبو ماضي في القهوة، التي عارض بها قصيدة لصديقه الشاعر مسعود سماحة، التي ابتدَرها بقوله: معلومات عن السودان
أدرها قهوةً كعصير بكر تجلت للكؤوس بكف بكر وانداحت مع الرشفات قصيدة القهوة لإيليا: شَربِناها عَلى سِرِّ القَوافي وَسِرِّ الشاعِرِ السَمحِ الأَبَرِّ سَقانا قَهوَتَينِ بِغَيرِ مَنِّ عَصيرِ شُجَيرَة وَعَصيرِ فِكرِ فَنَحنُ اِثنانِ سَكرانٌ لِحينٍ عَلى أَمن وَسَكرانٌ لِدَهرِ فَمَن أَمسى يَهيمُ بِبِنتِ قَصرٍ فَإِنّا هائِمونَ بِبِنتِ قَفرِ إِذا حَضَرَت فَذَلِكَ يَومُ سَعدٍ وَإِن غابَت فَذَلِكَ يَومُ قَهرِ لَها مِن ذاتِها سِترٌ رَقيقٌ كَما صَبَغَ الحَياءُ جَبينَ بَكرِ إِذا دارَت عَلى الجُلّاسِ هَشّوا كَأَنَّ كُؤوسَها أَخبارُ نَصرِ وَنَرشُفُها فَنَرشُفُ ريقَ خَودٍ وَنَنشُقُها فَنَنشُقُ ريحَ عِطرِ وَلا نَخشى مِنَ الحُكّامِ حَداً وَعِندَ اللَهِ لَم نوصَم بِوِزرِ فَما في شُربِها إِثم وَنُكرٌ وَشِربُ الخَمرِ نُكرٌ أَيَّ نُكرِ ولأن الساسة لهم فلسفة مختبرة في الهروب من وعثاء الحاضر السياسي، فقد استطال الزمان بذكرى أدباء وشعراء المهجر: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، وإلياس فرحات، والرابطة القلمية بنيويورك، ومجموعة الشعراء والكتاب والصحفيين اللبنانيين، والعصبة الأندلسية بأمريكا الجنوبية من آل الجر: عقل الجر، وشكر الله الجر، وآل معلوف: ميشيل معلوف، وفوزي معلوف، وشفيق معلوف، ومحطتهم الأبهى بالبرازيل. أولئك النفر العروبي الوحدوي، رغم مارونيته الجهيرة، إلا أن ثقافتهم العربية الزاخرة، التي اعتبروا أن الإسلام هو عمودها الفقري، رغم أنهم من معتدلي النصارى ومحبي التسامح اليسوعي، فقد عصمتهم من التمزق والاستلاب، فصاروا صوتًا من أصوات الحرية، ومقاتلين أشاوس ضد الاستعمار والاستبداد والاستلاب. حروب وصراعات

وهؤلاء الأسلاف هم الذين عبدوا الطريق لمسعد بولس ورفاقه، من الذين نأمل بأن يسيروا على ذات الطريق في حب العرب والعروبة بكل آمالها وآلامها. وعندما طوى سعادة الفريق والمستشار صفحة المهجريين، دلفوا إلى دهاليز الأنس في سيرة كأس العالم، بخروج أفريقيا والعالم العربي، وهم لا يملكون من ذلك الزخم العالمي الكبير إلا شرف المحاولة والأمل السمح في المستقبل، وتظل المنافسة الأخيرة بين أوروبا العريقة في هذا المجال والأرجنتين، بعد أن تتنكب البرازيل الطريق، وصار حظ أمريكا الشمالية بكل ثرواتها وبلايينها وأسلحتها مثل حظ الكنغو والسنغال.

وقد دارت بالمجلس أسماء وأطياف، مثل زحلة، وغابات الأرز، والدبكة، وفيروز، وبعلبك، والجنوب القتيل، (والشعب العربي وين وين الملايين). وعندما انتصف ليل القاهرة، الذي يتنفس سحرًا ونجومًا وهمسات وأغنيات، انتبه بولس لدوره الذي يتلقى عليه راتبًا وامتيازات.. هل لنا يا سعادة الفريق أن نتحدث قليلًا عن الأزمة السودانية؟. معلومات عن السودان

صمت الفريق كباشي لبرهة، وقال بوعي المحاضر وانتباه القائد العائد لتوه من الميدان: (أنت تعلم يا سعادة المستشار أن أصل المعركة والأزمة، باختصار، هي أن دولة كاملة، بشعبها وقضاياها وعاصمتها وتاريخها، تحارب عصابة خارجة على القانون، أُجليت من معظم الوطن إلى الأطراف والهوامش، ومارست كل الفظائع من قتل ونهب وسرقة واغتصاب، ووثائقه بأيديهم ليست بأيدينا، صورًا وأحاديث وتسجيلات وتوقيعات، وأمثال هؤلاء يا سعادة المستشار لا نرضى، ولا ترضون لنا، إلا التقيد باقتراحنا أن ينسحبوا من أراضٍ لا يمتلكونها، وأسلحة تعرفون أنتم قبل غيركم مصادرها ومخازنها.

فإن فعلوا فإننا سنقوم بالإجراءات التي تقوم بها كل دولة متحضرة وكل شعب نبيل، وإن يا سعادة المستشار ليست لي إضافة أكثر من مبادرة السلام التي تقدم بها رئيس الوزراء السوداني لمجلس الأمن في ديسمبر الماضي، وكانت حصيلة عقلانية وواقعية لما اتفقنا عليه في مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وليس لي أي إضافة، أما إذا كانت لك وصية أو تساؤلات، فيمكنني أن أنقلها للإخوة في القيادة المشتركة، ونقدم لك الإجابات التي ترغب فيها في أي زمان ومكان ترتضيه، مع تحياتنا للأخ الرئيس ترامب ومجموعته، التي نتمنى لها أن توفي بعهدها بإقامة سلام عادل وشامل في كل بقاع المعمورة، وهو الوعد الذي تهللت به وجوه الملايين، والذي كان برنامج الحزب الجمهوري في هذه الدورة). وافترقا، وقد أرخى الليل سدوله. هيئات تنفيذية

عزيزي القارئ، هذا هو السيناريو البريء الذي تخيلته لمعرفتي بسيرة الرجلين من خلال أحاديثهم، وأنا أستظل بشفرة الإمام علي في معرفة الرجال: «إن المرء مخبوء تحت لسانه، تحدثوا تعرفوا»، ولن أغير أو أبدل في هذا السيناريو المثالي إلا إذا قال كباشي كلمته، أو قال بولس مرافعته، أو أصدر الرئيس البرهان بيانًا على الذي قيل من المخبوء والمستتر والمعلن والمشاع. وقد صدق شعار وشعر طرفة بن العبد حين قال، وما زال قائلًا: سَتُبدي لَكَ الأَيّامُ ما كُنتَ جاهِلاً وَيَأتيكَ بِالأَخبارِ مَن لَم تُزَوِّدِ وَيَأتيكَ بِالأَخبارِ مَن لَم تَبِع لَهُ بَتاتاً وَلَم تَضرِب لَهُ وَقتَ مَوعِدِ.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *