Home / سياسة / إسرائيل تستغل غياب رادع سوري لفرض حزام أمني في الجنوب

إسرائيل تستغل غياب رادع سوري لفرض حزام أمني في الجنوب

إسرائيل تستغل غياب رادع سوري لفرض حزام أمني في الجنوب

بينما يربط الباحث في العلاقات الدولية ياسر نجار هذه التحركات بحسابات انتخابية إسرائيلية داخلية وبانشغال واشنطن بملفات إقليمية أخرى، يذهب الكاتب والباحث السياسي طارق عجيب إلى تفسير أكثر تجردا، معتبرا أن إسرائيل تستثمر غياب أي رادع سوري فعلي لفرض حزام أمني لم تتحدد ملامحه بعد.
حديث الطرفين اتفق على خلاصة واحدة: مستقبل الجنوب السوري لا يزال رهينة موازين قوى لم تحسم.
إسرائيل ترسخ وجودها العسكري جنوبي سوريا
حزام أمني بلا حدود معلنة
جسّد عجيب حجم التوغلات بأرقام لافتة، مسجلا أكثر من مئة توغل خلال شهر واحد فقط، عدا عن عمليات القصف، ووصف ذلك بأنه “غدر” متعمد ومنهجي يعكس خطة توسعية قوامها فرض حزام أمني تنفذه إسرائيل بمنتهى البساطة في ظل غياب أي رادع.
ولفت إلى أن حدود هذا الحزام غير معروفة؛ فبينما يتحدث البعض عن مساحة تقارب 600 كيلومتر جرت السيطرة عليها، مع نشاط عند مرصد جبل الشيخ باتجاه وادي اليرموك، تشير قراءات أخرى إلى احتمال امتداده بين 5 و20 كيلومترا جنوب دمشق أو غربها.
وخلص إلى أن الجيش الإسرائيلي وحده من يرسم هذه الحدود، في ظل عدم امتلاك دمشق أي أوراق سوى التعويل على الوساطة الأميركية، مضيفا أن إسرائيل غير مضطرة لتوقيع أي اتفاق طالما لم تتم بعد ترسيخ نقاط ارتكازها العسكرية في الجنوب.
في المقابل، اعتبر نجار أن حجم التوغلات لا يعكس سردية سقوط سوريا في قبضة إسرائيل، موضحا أن العمق الفعلي للاختراق لا يتجاوز 10 كيلومترات على أقصى تقدير، وهي نسبة محدودة قياسا بمساحة سوريا البالغة 165 ألف كيلومتر مربع.
ووصف ما يجري بأنه استفزاز متعمد يتوزع بين انتهاكات بحق المدنيين ومحاولات قضم أراضٍ، مستدركا أن إسرائيل تدرك أن الدولة السورية الناشئة حديثا غير قادرة على خوض مواجهة عسكرية مفتوحة، وأن دمشق تنظر إلى هذه التحركات كمحاولة لجرها إلى معركة تخدم حسابات إسرائيل الداخلية.
وذكّر بأن إسرائيل تسيطر على أجزاء من الأراضي السورية منذ عام 1967 من دون أي تقدم منذ اتفاق فض الاشتباك عام 1973، معتبرا التوغل الراهن رسالة تكتيكية تسبق أي مفاوضات لفرض شروط إضافية، أكثر منها احتلالاً دائماً ستتراجع عنه إسرائيل فور صدور القرار الأميركي المناسب.
حسابات نتنياهو الانتخابية ومسرح التصعيد المتنقل
ربط نجار موجة التوغلات باستحقاق انتخابي مرتقب تخوضه حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو، الذي اعتاد الاستثمار في العمليات العسكرية لتعزيز حظوظه، وكان يراهن على استمرار المواجهة مع إيران حتى موعد الانتخابات، قبل أن تتجه سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف تلك المواجهة وفتح باب التفاوض.
ونتيجة لذلك، بحث الإسرائيليون عن ساحات بديلة للتصعيد بدأتها في لبنان، على أن تنتقل إلى “مربع جديد” فور إنجاز أي تفاهم نهائي بين بيروت وتل أبيب، وهو ما يفسّر تحوّل الأنظار نحو الجنوب السوري.
وأضاف أن ترامب، المنشغل حاليا بتطورات مضيق هرمز، ترك مساحة استغلتها إسرائيل للضغط على الملف السوري، متوقعا عودة واشنطن قريبا لكبح جماح نتنياهو ومنع أي تصعيد جديد فور انجلاء ملفاتها الإقليمية الأخرى.
واشنطن بين ضبط الإيقاع وخدمة الأجندة
اختلفت قراءة المتحدثين لدور واشنطن، وإن التقيا عند حقيقة واحدة: القرار الأميركي هو الحاكم النهائي للمشهد. فقد شدد نجار على أن الولايات المتحدة ليست “حمامة سلام” بل قوة عظمى تدير مصالحها المباشرة في المنطقة، من سوريا إلى الخليج ومضيق هرمز وتركيا، عبر مشاريع اقتصادية ضخمة أبرزها استخراج الغاز السوري بشركات أميركية ونقل الطاقة من العراق نحو المتوسط عبر سوريا، وهي مصالح لا تستطيع إسرائيل تعطيلها لاعتبارات يمينية داخلية، تماماً كما لم تكن قادرة على إدارة معركة غزة خارج السقف الأميركي.
وميّز بين مشروعين: استعمار قديم أراد لإسرائيل أن تكون “شرطة المنطقة”، ومشروع أميركي جديد يريدها “جزءا من المنطقة”، لافتا إلى خروج فرنسا وبريطانيا فعليا من معادلة النفوذ الإقليمي.
في المقابل، كان عجيب أكثر تشككا في نوايا الدعم الأميركي، معتبرا أنه -بما فيه دعم وصول الإدارة السورية الجديدة إلى الحكم- محكوم بهدف معلن على لسان ترامب وسائر المسؤولين، هو أمن إسرائيل، مستذكراً وصف ترامب السابق لإسرائيل بأنها “صغيرة” في إشارة لرغبته بتوسّعها.
وخلص إلى أن كل ما تريده واشنطن في سوريا يصب لمصلحة إسرائيل، بصرف النظر عن الخلافات الظرفية حول الملفين الإيراني واللبناني.
ووصف المشهد الداخلي السوري بأنه انعكاس لوهم تتقاسمه دمشق وواشنطن، معتبرا أن سقوط النظام السابق حوّل سوريا إلى ساحة جذب اقتصادي تتزاحم عليها دول العالم، بينما ظل جوهر المشروع الأميركي مرتبطاً بتأمين المصلحة الإسرائيلية في الجنوب تحديدا.
أوراق ضغط غائبة ومراهنة تُشبه “انتظار غودو”
حمّل عجيب الإدارة السورية مسؤولية إضعاف موقعها التفاوضي، مشيرا إلى أن الانشغال بالأولويات الداخلية والإخفاقات المتكررة في معالجة الملفات العالقة أضعفا أوراق دمشق أمام إسرائيل، في وقت كان يمكن فيه تحقيق تماسك داخلي أكبر خلال العام والنصف الماضيين.
ولفت إلى تراجع وتيرة الاشتباكات والحوادث الأمنية الكبرى، مشدداً على أن هذا التراجع لم يقابله أي خطوات إيجابية ملموسة داخليا حتى الآن.
ورأى أن المقاومة الشعبية تبقى ورقة متاحة أهملتها دمشق لصالح الرهان الكامل على الوساطة الأميركية، مستشهدا بمواجهات نفّذها أهالي إحدى القرى الحدودية ضد دوريات إسرائيلية بالحجارة، وباشتباك سابق سقط خلاله عدد من الشهداء في قرية أخرى لم تعد القوات الإسرائيلية تدخلها منذ ذلك الحين مباشرة.
واعتبر أن تخلي دمشق عن هذه الأوراق مقابل التعويل الكامل على “الورقة الأميركية” يشبه انتظار شخصية “غودو” في العمل المسرحي الشهير، أي التعلّق بحل موعود لا يُعرف موعده ولا الجهة التي سيخدم مصالحها، مؤكداً أن أي جلوس سوري إلى طاولة تفاوض مقبلة يستوجب امتلاك أوراق قوة فعلية، سواء عبر المقاومة الشعبية أو التحرك السياسي والدبلوماسي، بدل الوصول إليها خالية الوفاض.
من جهته، خلص نجار إلى توقّع مغاير، مرجّحا أن تتحرك واشنطن خلال فترة قصيرة، فور الانتهاء من الملف اللبناني، لإنجاز اتفاق أمني وفض اشتباك بين إسرائيل وسوريا، رغم ما وصفه بمماطلة إسرائيلية مستمرة، مستندا إلى قراءته بأن المشهد الإسرائيلي مرشح للتغير بعد الانتخابات المقبلة وخروج نتنياهو من السلطة خلال أشهر.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *