في قراءته التحليلية لبرنامج “التاسعة”، يفكك محلل الشؤون الأميركية والشرق الأوسط بول سالم أبعاد معادلة معقدة، كاشفاً عن تناقضات جوهرية تتجاذب المفاوضات بين متطلبات الواقع الاستراتيجي وحسابات الشراكات الإقليمية.
بند مفخخ: تنازلات ترسخ دور إيران في هرمز
في تشريح دقيق لمضمون البند الخامس من مذكرة التفاهم، يرى سالم أن هذا البند ينطوي على تنازلات أميركية بالغة الخطورة لطهران، إذ يُرسخ دوراً محورياً لإيران في إدارة المضيق. ويوضح المحلل أن البند يُقر بأن طهران هي التي ستتولى فتح مضيق هرمز والإشراف على إزالة العوائق، فضلاً عن التفاوض مع سلطنة عُمان على صيغة مستقبل إدارة الممر الملاحي الحيوي. غير أن البند ذاته يقيّد هذا الدور بالالتزام بأحكام القانون الدولي المعترف به، وهو ما يجعله، وفق توصيف سالم، “بنداً معقداً ومفخخاً” يفتح الباب أمام تفسيرات متضاربة وصراع محتدم حول آليات تطبيقه. ويُلفت المحلل إلى أن ما يجري على أرض الواقع ليس صراعاً وجودياً يهدد مسيرة التفاوض بأسرها، مستنداً إلى منطق المصالح الاستراتيجية المتقاطعة؛ ففتح المضيق يصب في مصلحة جميع الأطراف، أميركا وإيران والدول الخليجية العربية على حدٍّ سواء. بيد أن جوهر التنازع لا يزال قائماً حول طبيعة الدور الإيراني في هذا الانفتاح، وحجم العائدات المالية والتعريفات التي قد تؤمّنها طهران عبر هذه الصيغة، أو تتقاسمها مع سلطنة عُمان والأطراف الإقليمية المعنية الأخرى.
ضبابية أميركية وانقسام داخلي
يكشف سالم عن اختلاف كبير داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول ملف المفاوضات مع إيران، مصنّفاً هذا التباين بوصفه مصدراً للضبابية في الموقف الأميركي. فنائب الرئيس جاي دي فانس، وفق المحلل، يريد إنهاء هذه الحرب والتفرّغ للداخل الأميركي، ولا يعلّق أهمية كبرى على المواضيع الإقليمية أو الاستراتيجية في الإقليم، بينما يمثّل وزير الخارجية ماركو روبيو تياراً مغايراً تماماً، فهو من الصقور التقليديين الجمهوريين، وله نظرة استراتيجية للأمور تختلف عن فانس. في المقابل، يُشير سالم إلى أن الرئيس ترامب نفسه يبقى على مواقف متقلبة ومتغيرة، ويعتبر هذا عنصر قوة بالنسبة له، وهو مرن ويرتجل المواقف، وقد سبق أن صرّح بأنه مستعد للحديث في موضوع التعريفي وغيره. ورغم هذه الضبابية في الموقف الأميركي، يختصر المحلل المشهد بالقول إن المفاوضات برأيه مستمرة، ويعتقد أنها ستخلص إلى نتيجة إجمالاً إيجابية.
طهران تفاوض تحت النار
لا يغفل سالم الديناميكيات الداخلية المعقدة التي تُلقي بظلالها على مواقف طهران وتصريحاتها في المحافل الدولية. فالنظام الإيراني يحتاج بإلحاح، وفق تشخيص المحلل، إلى وضع حدٍّ لتداعيات الحرب وضرباتها القاسية، وإلى فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة رفعاً للحصار وعودةً إلى مسار الحياة الاقتصادية الطبيعية، لا سيما في ضوء الحاجة الإيرانية الذاتية إلى استعادة العلاقات الاستثمارية والاقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي. ويستحضر المحلل سابقةً كاشفة في هذا السياق، إذ واصل الإيرانيون مسار التفاوض حتى في خضم الضربات على لبنان واحتلال جنوبه، مكتفين برسم خط أحمر محدود يقتصر على حماية بيروت من القصف المباشر. بيد أن المشهد الداخلي الإيراني يختلف جوهرياً عن نظيره الأميركي في شيء بالغ الأهمية، وهو تعدد مراكز القرار وتشعّب التيارات داخل النظام الإيراني؛ إذ تتباين الرؤى حول التفاوض مع واشنطن ورفع العقوبات، وتتفاوت المصالح والمقاربات بين هذه المجموعات المتنافسة، ما يُفسّر التناقض في التصريحات الإيرانية التي تستهدف جماهير داخلية مختلفة، أكثر مما تعكس تحولاً حقيقياً في تحديدات الإرادة السياسية.
هرمز لن يعود كما كان
يختتم سالم تحليله بخلاصة مرّة تكشف عن حجم الثمن الاستراتيجي لهذه المرحلة: مضيق هرمز لن يعود إلى حالته السابقة، وإن كان ثمة أفق لحياة ملاحية واقتصادية مقبولة مقارنة بما كان سائداً قبل الحرب. ويرى المحلل أن هذه الحرب كشفت بجلاء عن معطى استراتيجي حساس، هو أن إيران باتت تدرك قدرتها الفعلية على إغلاق مضيق هرمز، وأن القوى الدولية بما فيها الولايات المتحدة لا تملك أدوات منع فعّالة لهذا الاحتمال، في حين تتشارك في هذه القدرة التكتيكية أطراف إقليمية متعددة. ويصنف سالم هذه النتيجة ضمن أشد الخسائر الاستراتيجية وطأةً لحرب خُضت ضد إرادة معظم قيادات دول مجلس التعاون الخليجي.
أما على صعيد الأطر الزمنية، فيبدي المحلل تشككاً صريحاً في إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي شامل ضمن مهلة الستين يوماً المطروحة، واصفاً ذلك بأنه شبه مستحيل في ضوء التعقيدات الراهنة، في حين يرى أن ملف انفتاح هرمز قابل للتقدم ضمن هذه المهلة بصورة أكثر واقعية. ويتوقع سالم أن يتجه الفريقان نحو تمديد المهلة مع الحرص على إبقاء المسار التفاوضي حياً، مشيراً إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يعد يمثّل إلحاحاً استراتيجياً بعد الضربات القاسية التي تعرض لها، وأن موضوع فتح المضيق يظل الأولوية الأكثر إلحاحاً في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى المسارات التفاوضية المتعددة العاملة، القطرية والباكستانية والسعودية والعُمانية، التي تسير بالتوازي.









