الشيخ علي كرتي.. سجين الوطن حرّ الضمير، اختير رئيساً للتيار الإسلامي العريض. لم يكن شهيداً لمداولات التيار وهو يقلب الخيارات ويرجع البصر، ليكمل بناء المشروع، بل اختير وفقاً لأفق المستقبل المنظور لديه، كرئيس للتيار الإسلامي لدورة جديدة.
هذا الاختيار أيقظ شجون المحبة والعرفان لهذا الشخص الذي علا كعبه علينا جميعاً، وأثناء تصفحي بتلك الأيام العصيبة، دارت الدوائر على نظام الإنقاذ بشيء من المطالب الداخلية، وشيء أعظم من المكر الخارجي، وشيء من تقدير لأجهزة الدولة العسكرية والأمنية. وجدت الحركة الإسلامية الأكبر في عالمنا، ودون منازع، نفسها خارج السلطة، وما يزال في يدها شيء من عنف الدولة وأدواتها، وروح متقدة، وعدو أدمن العمالة ولم تغفل عينها عنه لحظة.
تملكتني الشفقة: كيف للشيخ علي كرتي أن يدير هذه المشاعر التي إن جمحت لن تتحملها الدولة؟ لكن بفضل الله وبجهد صادق جمع الله له الأمر، امتص الصدمة مؤمناً بأقدار الله، وتجاوز المحنة عابراً، وأعاد تموضع الحركة في قلب معركة الوطن، ورفعها إلى الهم الكبير.
تحمّل صنوف الأذى الذي أُمطرت به الحركة كياناً وأفراداً. فكظموا الغيظ، وحبسوا اللسان، وكفوا أيديهم. فلم يسجل التاريخ لهم تجاوزاً بجور على أحد، رغم سعة الحركة ولؤم العدو الذي أسخنهم جراحاً، وسلقهم بألسنة حداد، وألهب ظهورهم بالسياط.
ولم تكن تلك حالة سلبية، وإنما كان يمضي بدربة غير مترهلة وحنكة غير متعجلة، وصبراً غير ملول. يهدم الأصنام من حول الكعبة، ويذهب الرجس عن إخوانه، ويعمل على تطهير قلوبهم بنار الصبر التي تظهر معادن الرجال، دون أن يشق عليهم بتكليف يبتلي ضعفهم وفقرهم. كان لهم نعّم الأخ الحنّي الوفي، ونعّم القائد الحاذق.
وظل يجمع أشتات الحركة الإسلامية التي سلكت سبلاً مختلفة، يقدّمهم ولا ينظر إلى أجسامهم التنظيمية وأحجامهم. وكلما التفت الناس إليه ليتقدم قال: “هنالك من هو أولى”، خالياً من الفزع، متجرّداً من الطمع.
ولحظة أخرى أشد وأقسى، حين أطلق العملاء رصاصة الغدر على صدر الوطن، معلنين يأسهم من طريق الديمقراطية والمدافعة السلمية التي كانوا يرددونها بأفواههم ولم تستقر في قلوبهم. خرجوا تحت غطاء أسيادهم بعد أن طعنوا الوطن في خاصرته، يقايضون بسلامة الوطن جلوسهم على كرسي السلطة، ويفرضون دينهم على شعب ترجل عن سفينتهم المعطوبة معلناً كفره بهم وبما يدينون به، فأوقعوا عقابهم عليه حرباً وتشريداً وقتلاً واغتصاباً، وما زالت تلك دعواهم على كل منبر. ولم يزال الشعب صامداً يغلق عليهم الأبواب ويحسّ عليهم التراب ويردد ذكراً شاحت الوجوه.
في مثل هذا الواقع الذي تكسوه سحب الضباب اختار الشيخ علي كرتي طوعاً أن يكون “سجين الوطن” داخل حدود الجغرافيا وفي قلب التاريخ. يومها كان الوطن جريحاً لا يقوى على حمل نفسه، وخياراته مفتوحة على كل الاحتمالات الأسوأ. لم يبق من “النخبة” إلا الثلة المجاهدة والقيادة المواجهة للمصير العسكري بحكم التكليف وفقه حرمة الخروج لمن شهد القتال، يعلن موقفه تجاه الوطن.
وكان “الخِضَمّ” المأفون يبتلع الجميع، وتبيّن أن لحم الدولة وشحمها كان تضخماً مرضياً، أعمل فيه الهالك “حميدتي” مشرطه، بعد أن ذبح الروح التي ظللنا نتغنى بها منذ ميلاد الدولة الوطنية ونفاخر بها، غير أن بحر الشعب زاخر، ورحمه ولود، وعطاؤه متصل ينفق مما يحب ويجود نفساً ومالاً.
في هذا البحر المتلاطم ألقى الشيخ علي كرتي بمفتاح الراحة في بحر النسيان، وربط قلبه بربّ يخرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. ولا يعجزه أن يخرج وطناً مغدوراً من بين الركام، والتصق بأرض لا تعرف الخيانة، وشعب تتعلق روحه بكرامته.
هنا، في أرض السودان وبدون سواتر، بقي الشيخ في عين العاصفة، متجوّلاً تحت وابل الرصاص وأزيز المدافع، يسعى بما وسع من مسؤوليات تجاه وطن يحرض أبناء شعبه على من يعمل على سرقة أمنهم وحرمانهم من أرضهم والتنكيل بأهلهم.
لقد ظل بين أهله يتحمّل عناء البقاء في وطن يدرك قيمته، وموقف يتحمل جريرته. وطن يأكل من صحته ويُضعف من هيئته لقد اختاره التيار الإسلامي بالأمس رئيساً لجمعنا في تيار إسلامي عريض، هو أصغر من الدولة وأكبر من حزب، ولكن القوم لا يفقهون. فهم بين اثنتين: إن ناموا فعلى معاقرة الحرام، وإن استيقظوا فعلى موائد اللئام.
لقد كان اختيار أخي وشيخي بالأمس رسالة مفادها: بأن المشروع حيّ، وما يزال يراهن على الرجال الذين يدركون أن القيادة في زمن المحنة ليست كرسياً هنيئاً، وإنما كفناً… هذا إن وجد ووجد القبر.
إن التيار الإسلامي العريض باختياره للشيخ علي كرتي يقول إنه يحتاج إلى من يذكر الذين يظنون أن الوطن عبارة عن فندق يخرجهم منه شح الماء وانقطاع الكهرباء وانهم لن يعودوا إليه حتي تعود، وإنما هو أغلى من المتع الذاتية وأكبر من أن يهجر لغيره، ويحكي للأجيال القادمة على طريق وطن الكرامة: بأننا حين انهار السقف لم نغادر البيت. جلسنا تحت الأنقاض، وقبضنا على جمر ديننا، حتى يبعثكم الله من جديد.









