يرى الخبير في الشؤون الإيرانية فراس إلياس، في تصريحات، أن التباين في المواقف المعلنة لا يعكس بالضرورة انهيار المسار التفاوضي، بل يدخل ضمن ما وصفه بمحاولة كل طرف “إنتاج سردية تفاوضية خاصة به” تخدم أهدافه السياسية الداخلية والخارجية.
وأوضح إلياس أن ترامب، عندما يتحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق، “يريد أن يرسل رسالة إلى الداخل الأميركي أنه لا يزال يمسك بزمام الأمور، وأن ما يجري حالياً هو اختلاف ليس على أصل الاتفاق وإنما على بعض النقاط الخلافية التي يريد أن يعدلها بالإطار الذي يجعلها أكثر مضمونية بالنسبة له ولمستقبله السياسي خلال الفترة القادمة”.
في المقابل، يعمل الجانب الإيراني، بحسب إلياس، على ترسيخ سردية مختلفة تقوم على أنه “لا يمكن أن يتفاوض تحت الضغط، وكذلك لا يمكن أن يتفاوض أحد وكلاه يتعرضون للضرب والهجوم العسكري”، في إشارة إلى الضغوط التي تتعرض لها القوى الحليفة لطهران في المنطقة.
ويؤكد الخبير أن التصريحات الصادرة من الطرفين تتجه نحو “إعادة تشكيل الداخل” في كل منهما، عبر رفع سقوف التفاوض وإظهار القدرة على فرض الشروط، مع الإبقاء على إمكانية التوصل إلى صفقة، لكنها صفقة تعكس تصورات كل طرف لمصالحه.
بحسب إلياس، تراهن إيران على مسارين رئيسيين في هذه المرحلة. الأول يتمثل في استثمار عامل الوقت، إذ “يدرك تماماً أن المضي عملياً بلعبة الوقت يعني أنه قد يجبر الرئيس ترامب على إبداء بعض المرونة، خصوصا في موضوع مضيق هرمز و اليورانيوم عالي التخصيب”.
أما المسار الثاني فيرتبط بالتمسك بالثوابت التي يعتبرها الحرس الثوري خطوطا حمراء، وفي مقدمتها عدم نقل اليورانيوم إلى خارج إيران، وعدم فتح مضيق هرمز قبل انتهاء حالة الحرب، ورفع العقوبات بشكل كامل، إضافة إلى الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
ويشير إلياس إلى أن جوهر التعقيد في المفاوضات لا يرتبط فقط بالخلافات التقنية، بل أيضاً بأزمة الثقة بين طهران وترامب.
وقال إن الإيرانيين “فاقدون الثقة بالرئيس ترامب”، ولذلك فإن الحرس الثوري يتشدد في مطالبه ويبحث عن ضمانات حقيقية قبل تقديم أي تنازلات.
وأضاف أن الملف التفاوضي لا تديره الشخصيات السياسية الظاهرة في الواجهة، موضحا: “لا نتحدث عن أن محمد باقر قاليباف أو عباس عراقجي هم من يديرون الملف التفاوضي، ولكن بالأساس الذي يخطط والذي يضع الشروط والذي يطلب الحدود هو الحرس الثوري”.
ووفقاً لرؤيته، يسعى الحرس الثوري إلى رفع كلفة الانتظار على واشنطن ودفع ترامب إلى التراجع عن بعض شروطه، لكنه في الوقت ذاته لا يرى أن الظروف الحالية تجعل إيران جاهزة بالكامل للعودة إلى طاولة المفاوضات، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية والحصار البحري وتراجع الثقة الداخلية بأداء النظام.
ويعتبر إلياس أن إيران تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره “ورقة ردع اقتصادي لا تقل أهميتها عن ورقة الردع النووي”، ولذلك يستبعد أن يقدم الحرس الثوري هذه الورقة مجاناً.
وأوضح أن طهران ترى أن الزخم الذي تحقق نتيجة إغلاق المضيق لا يمكن التفريط به دون الحصول على ضمانات واضحة تتعلق بإنهاء الحصار والإفراج عن الأموال المجمدة.
وأضاف أن أي خطوة نحو فتح المضيق يجب أن تقابلها مكاسب سياسية واستراتيجية، من بينها اعتراف أميركي بالدور الإيراني في إدارة الواقع الأمني للمضيق خلال المرحلة المقبلة.
وفي ما يتعلق باليورانيوم عالي التخصيب، رصد إلياس مؤشرات إلى تغير نسبي في الخطاب الإيراني خلال الساعات الأخيرة، مشيراً إلى أن طهران قد لا ترفض مبدئياً إخراج اليورانيوم إلى خارج البلاد إذا تم إيداعه لدى الصين كوديعة أمنية تضمن استعادته في حال أخلت واشنطن بالاتفاق.
كما أشار إلى طرح آخر يتمثل في إبقاء اليورانيوم داخل إيران مع إخضاعه لرقابة صارمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن هذه الطروحات، بحسب إلياس، قد لا تلبي طموحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يسعى إلى ما هو أبعد من تقييد التخصيب، إذ يريد تفكيك المنشآت النووية الإيرانية وتدمير أجهزة الطرد المركزي، بما يضمن عدم عودة البرنامج النووي الإيراني مستقبلاً.
وفي ظل هذه الفجوة الكبيرة بين مطالب الطرفين، تبدو المفاوضات الأميركية الإيرانية عالقة بين تفاؤل ترامب العلني وتمسك طهران بشروطها الأساسية، فيما يواصل كل طرف استخدام الوقت والأوراق الاستراتيجية المتاحة له بانتظار لحظة قد تفرض تسوية أو تفتح الباب أمام مواجهة جديدة.









