الحائط العتيق في سجن كوبر، الذي يحمل أسماء معارضين سياسيين منذ فترات مختلفة، يشهد على تقلبات السياسة السودانية. في جلسة سجن كوبر ما بعد 2019، أطلق السيد يوسف عبد الفتاح ضحكةً فاجأت الحاضرين، ثم روى قصةً مثيرةً للدهشة والتأمل.
يحكي يوسف أنه في 30 يونيو 1989، كان مكلّفاً بالقبض على الأستاذ محمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي. أتى به إلى سجن كوبر، إلى زنزانة عتيقة كُتبت على أحد جدرانها أسماء من مرّوا بها في حقب مختلفة، منذ الزعيم إسماعيل الأزهري وحتى آخر معارض سياسي. قبل مغادرته الزنزانة، طلب من نقد أن يكتب اسمه على الحائط. ضحك الرجل، ثم قال: “ما حا أكتب اسمي.. لكن حيجي يوم تكتب إنت اسمك هنا”. وبالفعل، كتب يوسف عبد الفتاح اسمه في ذات الزنزانة التي اعتُقل فيها نقد قبل ثلاثين عاماً.
الأسماء المنقوشة على ذلك الحائط العتيق، في الزنزانة الشرقاوية المجاورة لمنتظري تنفيذ أحكام الإعدام، تختصر تاريخ التقلبات السياسية في السودان منذ خروج المستعمر وحتى اليوم. الدكتور التجاني عبد القادر وصف هذا بـ”مكر التاريخ”: حكام اليوم هم سجناء الغد.. والعكس صحيح.
في دار الوثائق، يقلب الباحثون الصحف القديمة وتصريحات الرجال، ملاحظين تغير المواقف والتجارب المتكررة. السياسة، في قاموس كثير من ساسة السودان، هي القدرة على فرض إرادة على الآخرين، لا يهم إن تم ذلك عبر صناديق الاقتراع أو صناديق الذخيرة. السياسي ينتقل من موقف إلى آخر دون أن يدفع رسوم انتقال، فلا يعتذر عن خطئه في تقدير موقفه الأول، ولا يبرّر موقفه الجديد.
المفارقات السياسية تملأ الكتب والمجلدات. السيد بابكر عوض الله، مثلاً، هو السياسي السوداني الوحيد الذي تقلّد رئاسة السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية. استقال من رئاسة القضاء دفاعاً عن نص دستوري واحد في قضية حل الحزب الشيوعي عام 1965، لكنه مزّق لاحقاً كل نصوص الدستور حين شارك في انقلاب مايو وأصبح رئيساً للوزراء.
الأستاذ عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي، ظل يقاوم التيار الانقلابي داخل الحزب ويدافع عن الخيار الديمقراطي، لكن صحف دار الوثائق تشير إلى أنه أيّد انقلاب مايو، وسعى لاستقطاب الدعم له من المعسكر الاشتراكي في مؤتمرات براغ واجتماعات موسكو، بل وخطّط لتصحيح الانقلاب بانقلاب آخر في 19 يوليو.
السيد الصادق المهدي، صاحب مقولة “الديمقراطية عائدة وراجحة”، هو ذاته الذي شارك في نظام الحزب الواحد في عهد نميري، ونظّر له، وأدان النظام التعددي في تصريحات محفوظة بدار الوثائق.
الشيخ حسن الترابي، الذي أشعل ثورة أكتوبر بندوة في جامعة الخرطوم، هو نفسه الذي خطّط لانقلاب الإنقاذ، ثم سخر من أكتوبر في ندوة شهيرة بالجامعة نفسها عام 1993. وحين خرج من السلطة عام 1999، عاد لتمجيد أكتوبر من جديد.
المواقف تتبدل بتبدّل المواقع، والتجارب تتكرر ويختلف المجرّبون، وكأننا ندور في حلقة دائرية لا تنتهي. الفريق صلاح قوش، الذي أجلس الصادق المهدي على كرسي ثلاثي الأرجل، واعتقل الشيخ الترابي في منزله، اعتُقل لاحقاً في المنزل ذاته.
الدكتور الحاج آدم، الذي طارده قوش يوماً باتهامات المحاولة التخريبية، عاد لاحقاً ليهدد مدير المخابرات السابق نفسه بـ”سيف الحسم” في مؤتمر سياحي.
مساعد شرطة قديم بسجن كوبر، كان يقول: “نحن ما بنزعّل زول.. عارفين إنو مساجين اليوم هم حكام الغد، والعكس صحيح”. وفي لقاء جمع مجموعة من الإعلاميين بالفريق عبد الفتاح البرهان بعد التغيير، قال له أحدهم: “عليكم تحسين أوضاع سجن كوبر.. الزمن ما مضمون”. ضحك الرجل ولم يعقّب.
انقطاع التجارب وعدم تتابعها، وإهمال كل قادم النظر في دفاتر الماضي، جعلنا نعيد إنتاج تجاربنا الفاشلة، ونكرر أخطاءنا الفادحة. لن يستقيم عود السياسة السودانية، ولن ينصلح حالها، ما لم تتوقف كتابة أسماء المعارضين على ذلك الحائط اللعين.









