أصدرت محكمة الأبيض حكمها أمس في قضية اغتيال الضابط الأمني محمد القرشي أسامة، وذلك بعد أكثر من عام على ارتكاب الجريمة. الجريمة أثارت شكوكاً حول دوافعها، وأهتزت لها سكان مدينة الأبيض وكادقلي، حيث أنه من أبناء المدينتين.
الضابط القرشي كان شاباً حديث التخرج من الجامعة، والتحق بجهاز الأمن، وطلبته قوات الدعم السريع للعمل في جهازه الأمني المحيط بحميدتي، واعتبره مقرباً منه، وتم انتدابه لقوات عاصفة الحزم. وفي يوم اندلاع الحرب كان في مسقط رأسه بالدبيبات، في زيارة اجتماعية لوالده المربي المتقاعد ووالدته المعلمة عائشة قرشي.
واجه القرشي صعوبة في العودة إلى الخرطوم التي اشتعلت حرباً فيها، فقرر البقاء في الدبيبات، ظناً بأن الحرب سوف تستمر مدة قصيرة، ورفض طلب قيادة الدعم السريع بتأمين خروجه من الدبيبات إلى الخرطوم، وحرر برقية إلى قائده في الدعم السريع قائلاً: “انتهت علاقتي بكم سأعود إلى قيادتي”.
ومن الدبيبات التي سقطت تحت أقدام اللصوص، تسلل محمد القرشي إلى الأبيض وسلم نفسه لقيادة جهاز الأمن والمخابرات، وربما كان هناك من يتربص به في مدينة تمثل حتى اليوم أكبر معقل لعناصر المليشيا، وشارك القرشي في معارك غرب الأبيض ومحطة 13، وكان ضمن قوات النخبة التي حصدت الجنجويد في الخريف، وافتعلت العصابة التي اغتالتته مشاجرة أمام بيته، فخرج إلى الشارع بملابسه المدنية، وصوب زعيم العصابة زخات من الرصاص إلى صدره، فتعدى روحه في الحال.
وتم القبض على الجناة، وكان بمقدور جهاز الأمن تنفيذ حكم إعدام فوري بحق العصابة في منطقة عمليات وتحت قانون الطوارئ، لكن الجهاز سلم الجناة للشرطة، وظل المستشار القانوني يتابع جلسات المحاكمة، التي تُعقّد حين تستهدف المدينة بالهجوم البري أو عبر المسيرات، القضاة صابرين على مناخ أمني مضطرب، في ظل محاكمة أعداد كبيرة من المقبوض عليهم من المتعاونين والمتورطين في القتل، وبعد أكثر من عام، تطوّرت المحكمة ملف القضية وتصدر حكمها بإعدام القاتل شنقاً، ليشفي الحكم الصادر بعضاً من غيظ أسرته، أمه وأبيه واخته وأخيه وزوجته وبنيه.
وسجل القرشي تلك المواقف البطولية في سفر أولى العزم وأصحاب الهمة، والذين لا يساومون في وطنهم بالمال والجاه، ولم يبع شرف جهاز الأمن باغراءات حميدتي، ودفع ثمن ذلك بفقدانه لروحه، وكأنه يقول معاكي سلامة يا الدنيا أم نعيماً زايل.








