وبين هدنة هشة، ومفاوضات مرتبطة بمسارات إقليمية، واستنزاف متواصل، تتبلور معادلة دقيقة تتجاوز البعد اللبناني الداخلي إلى ارتباطات أوسع مع القرار الإيراني، ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحديات سيادية وأمنية متصاعدة.
هدنة هشة وتصعيد يومي
اتسم المشهد الميداني منذ وقف إطلاق النار الأول، الذي تلا انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، بمفاجأة طرفين أساسيين هما إسرائيل وحزب الله. ودفعت العودة السريعة للمدنيين الحزب إلى الامتناع عن العودة إلى قواعد الاشتباك المعتمدة في نوفمبر 2024. أسس هذا التحول لواقع تصعيدي يومي، انعكس مباشرة على عرقلة عودة السكان إلى مناطقهم. ويخدم هذا التصعيد هدفين مترابطين: الأول هو منع عودة الأهالي، والثاني هو إبقاء الجبهة في حالة جهوزية تحسبا لانهيار المفاوضات الإيرانية الأميركية. يسعى الحزب لتفادي كلفة تهجير السكان مجددا في حال توسّع المواجهة. والواقع الحالي لا يمكن توصيفه كهدنة فعلية، بل كـ”هدنة غير موجودة”، لم يتبقّ منها سوى تحييد بيروت ومحيطها، ما يعكس هشاشة شديدة في الاستقرار الميداني.
ارتباط القرار العسكري بالأجندة الإيرانية
لا يعمل حزب الله وفق أولويات لبنانية، بل يخدم الأهداف الإيرانية بشكل مباشر، وفق ما كشفت التطورات عن وجود ضباط من الحرس الثوري الإيراني في لبنان يقودون العمليات العسكرية. انتقل الحزب من مرحلة ” حرب الإسناد ” عام 2023 إلى واقع ميداني مختلف، حيث تغيرت الجغرافيا العملياتية في الجنوب. وتحول من سيناريو شبيه بالضفة الغربية إلى نموذج أقرب إلى غزة، مع وجود شريط واسع خاضع للنيران أو السيطرة الإسرائيلية. وغلب على العمليات الحالية استخدام المسيرات الانتحارية، مع غياب واضح للصواريخ الثقيلة أو التصعيد العالي، رغم استمرار مستوى التدمير المرتفع. وتندرج هذه العمليات ضمن محاولة “البقاء إعلاميا”، دون قدرة على تغيير المعادلات أو إعادة السكان.
غياب الأهداف السياسية وتعطيل المسار التفاوضي
يغيب أي سقف سياسي واضح أو أهداف محددة للمواجهة الحالية، وربط المسار التفاوضي اللبناني بالمفاوضات الإيرانية. يعارض حزب الله أي مسار تفاوضي لبناني منفصل، في ظل سعي طهران إلى استخدامه كورقة تفاوضية. أما بخصوص منطق الاستنزاف، فقد أظهرت التجربة التاريخية عام 2000 أن استنزاف إسرائيل استغرق سنوات طويلة، في حين يعاني لبنان اليوم من انهيار اقتصادي منذ 2019، إلى جانب تآكل سياسي وأمني متراكم. قد يؤدي استمرار الحرب إلى إغلاق المسار التفاوضي بالكامل، ويزيد من احتمالات الانهيار الاقتصادي، في ظل تحذيرات متصاعدة من القطاعات المالية، ما يضع البلاد أمام مهلة زمنية ضيقة للاستمرار في ظل حالة “اللاحرب واللاسلم”.
سيناريو المراوحة واستنزاف الدولة
في حال استمرار التصعيد، قد تصل الأطراف إلى حالة “ستاتيكو” ميدانية، حيث قد تلجأ إسرائيل إلى تكريس واقع احتلال جنوب الليطاني، مقابل عجز الدولة اللبنانية عن تنفيذ التزاماتها شماله. ويصف هذا السيناريو بأنه استنزاف مباشر للدولة اللبنانية، عبر عمليات عسكرية تشمل تدمير القرى وتهجير السكان، ما يقوض أي مسار فعلي لوقف الاعتداءات أو تحقيق الانسحاب الإسرائيلي. والاستفادة الأكبر من هذا الواقع هو لحزب الله، في ظل غياب قدرة الدولة على فرض معادلة مغايرة.
إشكاليات الأمن والرقابة جنوب الليطاني
تشير إلى صعوبة إخفاء مخازن أسلحة في بيئة رقابية مكثفة جنوب الليطاني، رغم وجود الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”. ورجح أن جزءا من الأسلحة المستخدمة قد تم نقله بسرعة من شمال الليطاني، وأن طبيعة الصواريخ المستخدمة لا تتطلب بنية تخزين معقّدة. ويلفت إلى أن بعض العمليات قد نُفّذت دون علم القيادات السياسية في الحزب، ما يعكس خللاً في التنسيق الداخلي.
خيارات الدولة.. بين التدرّج وتفادي الصدام
يقتصر الخيار المتاح أمام الدولة اللبنانية ليس على المواجهة المباشرة، بل يشمل مسارا تدريجيا يعتمد على أدوات متعددة، من بينها الإجراءات الأمنية، والتشدد الاقتصادي، وتنفيذ قرارات حكومية بشكل متراكم. الرهان الأساسي يتمثل في نجاح المفاوضات، سواء اللبنانية الإسرائيلية أو الأميركية الإيرانية، خاصة في ظل توجه أميركي لإنهاء دور “الوكلاء” في المنطقة. تبدي الحكومة اللبنانية جدية، لكنها تواجه بنية “دولة عميقة” ممتدة منذ عقود، ما يتطلب وقتا وإجراءات متدرجة لترسيخ سلطتها.
معادلة “الأرض مقابل السلاح”
تقوم المقاربة على ربط استعادة الأراضي بتسليم السلاح، ضمن إطار تفاوضي شامل يتضمن الانسحاب الإسرائيلي، وعودة السكان، وإعادة الإعمار وفق جدول زمني واضح. تمكّن هذه المعادلة الدولة من استعادة المبادرة، وتحدّ من قدرة حزب الله على استخدام سلاحه كورقة ضغط داخلية. كما تلفت إلى أهمية كسب البيئة المحلية، خصوصا في الجنوب، التي تكبّدت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وتبحث عن استقرار فعلي يتيح لها العودة إلى حياتها الطبيعية.









