أزمة الغذاء في السودان: لماذا ترتفع الأسعار وهل تكفي الإعفاءات الجمركية؟
في الأسواق السودانية اليوم، لم يعد السؤال الذي يطرحه المواطن هو: ماذا سأشتري؟ بل: ماذا أستطيع أن أشتري؟ فمع الارتفاع المستمر في أسعار السلع الغذائية، أصبحت فاتورة الغذاء تستحوذ على الجزء الأكبر من دخول الأسر، بينما تتراجع القدرة الشرائية بوتيرة أسرع من قدرة الناس على التكيف معها.
وسط هذا الواقع الصعب، صدرت قرارات بإعفاء عدد من المواد الغذائية والسلع التموينية من الرسوم و الجمارك بهدف تخفيف الضغوط المعيشية وزيادة المعروض من السلع الأساسية. غير أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، تثير سؤالاً أعمق: هل يمكن للإعفاءات الجمركية أن تعالج أزمة الغذاء في السودان، أم أنها تستجيب لنتائج الأزمة بينما تبقى أسبابها الجوهرية قائمة؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من فهم لماذا ترتفع أسعار الغذاء في السودان أصلاً.
الأزمة أكبر من الأسواق:
الخطأ الشائع هو النظر إلى ارتفاع الأسعار باعتباره مشكلة تجارية أو رقابية فقط. والحقيقة أن أسعار الغذاء هي المرآة التي تنعكس عليها أوضاع الاقتصاد والإنتاج والنقل والتمويل والاستقرار السياسي. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرضت سلاسل الإنتاج والتوزيع والتجارة لاضطرابات واسعة. تعطلت مناطق إنتاج، وتضررت طرق إمداد، وتقلصت فرص التمويل، وارتفعت تكاليف الحركة بين الولايات. وفي الوقت نفسه واجهت قطاعات واسعة من المواطنين تراجعاً في الدخول وفرص العمل ومصادر الكسب. وبذلك أصبح الغذاء يصل إلى المستهلك عبر بيئة أكثر تكلفة وأكثر خطورة وأقل كفاءة مما كانت عليه قبل الحرب.
عندما يضعف الجنيه ترتفع أسعار الجميع:
من العوامل الأساسية التي دفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة تراجع قيمة الجنيه السوداني . وبحسب البيانات المتداولة في السوق، بلغ سعر الدولار في السوق الموازي نحو 10,100 جنيه سوداني بتاريخ 22 أكتوبر 2026. وفي اقتصاد يعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات ومدخلات الإنتاج المستوردة، فإن أي انخفاض في قيمة العملة ينعكس مباشرة على تكلفة الغذاء. ويتجاوز أثر تدهور سعر الصرف السلع المستوردة نفسها ليصل إلى المنتجات المحلية. فالأسمدة والمبيدات والبذور المحسنة وقطع الغيار والآليات الزراعية والوقود وجزءاً مهماً من الخدمات اللوجستية ترتبط بطريقة أو بأخرى بالدولار. لذلك فإن المزارع السوداني والتاجر السوداني والمستهلك السوداني يتأثرون جميعاً بانخفاض قيمة الجنيه، حتى عندما تكون السلعة المنتجة محلياً.
تكلفة الإنتاج الزراعي… الحلقة المنسية:
يمتلك السودان موارد زراعية ضخمة ومساحات واسعة وأراضي عالية الخصوبة، لكن الإنتاج لا يقوم على الأرض وحدها. فالإنتاج الزراعي يحتاج إلى الوقود والتمويل والأسمدة والمبيدات والبذور المحسنة والعمالة وصيانة الآليات وطرق النقل ومرافق التخزين. وعندما ترتفع تكلفة هذه العناصر مجتمعة، ترتفع تلقائياً تكلفة المحصول النهائي. وهنا تظهر مفارقة مؤلمة؛ فالدولة والمجتمع يطالبان المزارع بزيادة الإنتاج، بينما ترتفع أمامه تكاليف الإنتاج والتمويل والنقل عاماً بعد آخر.
الوقود… المحرك الخفي للغلاء:
قد تبدو أسعار الوقود قضية منفصلة عن الغذاء، لكنها في الواقع أحد أهم محدداته. فالجازولين يدخل في تحضير الأراضي وعمليات الري وتشغيل الآليات الزراعية والحصاد والنقل بين مناطق الإنتاج والأسواق ونقل الواردات من الموانئ إلى داخل البلاد. وبالتالي فإن أي زيادة في تكلفة الوقود تنتقل تدريجياً إلى تكلفة الغذاء. وفي كثير من الحالات لا يكون الوقود نفسه هو المشكلة، بل صعوبة الحصول عليه في الوقت المناسب وبالسعر الرسمي، خاصة في المناطق الزراعية البعيدة.
من الحقل إلى المستهلك… رحلة مكلفة:
لا تُحدد أسعار الغذاء داخل المزرعة فقط. فبين المنتج والمستهلك توجد حلقات عديدة تشمل التجميع والتخزين والترحيل والتمويل والجملة والتجزئة. ويضاف إلى ذلك تعدد الرسوم والجبايات ونقاط العبور وتكاليف المخاطر والخسائر أثناء النقل. ولهذا قد يكون الفرق كبيراً بين السعر الذي يبيع به المزارع محصوله والسعر الذي يشتري به المواطن السلعة نفسها.
هل تمثل الإعفاءات الجمركية جزءاً من الحل؟
الإجابة المختصرة هي نعم، ولكن بشروط. فالإعفاءات الجمركية يمكن أن تحقق عدة مكاسب في الأجل القصير، منها خفض جزء من تكلفة الاستيراد وزيادة المعروض من السلع وتقليل خطر حدوث نقص في الأسواق وتخفيف الضغوط السعرية والمساهمة في تحسين الأمن الغذائي خلال فترات الطوارئ. وفي الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، فإن تأمين الغذاء للمواطنين يمثل أولوية مشروعة لا يمكن تجاهلها.
لكن في الوقت نفسه لا ينبغي المبالغة في تقدير أثر الإعفاءات. فانخفاض التكلفة عند الميناء لا يعني تلقائياً انخفاض السعر في المتجر أو السوق المحلية. فما بين الميناء والمستهلك سلسلة طويلة تشمل النقل والتخزين والتوزيع والتمويل وهوامش الربح. لذلك فإن نجاح الإعفاءات لا يقاس بحجم الرسوم التي ألغيت، وإنما بمقدار ما وصل من تخفيض فعلي إلى المستهلك النهائي.
المفارقة الصعبة: المستهلك والمزارع
تظهر هنا إحدى أكثر القضايا حساسية في الاقتصاد الغذائي. فالمواطن يريد غذاء أرخص، وهذا حق مشروع. والمزارع يريد سعراً يضمن له تغطية التكلفة وتحقيق عائد معقول، وهذا حق مشروع أيضاً. لكن عندما تُعفى السلع المستوردة من الرسوم، بينما تبقى تكاليف الإنتاج المحلي مرتفعة بسبب الوقود والتمويل والرسوم والنقل، قد تنشأ منافسة غير متكافئة. وهنا يتحول ما بدأ كإجراء إسعافي للمستهلك إلى ضغط طويل الأجل على المنتج المحلي. ولهذا فإن القضية ليست قضية استيراد مقابل زراعة، بل قضية موازنة دقيقة بين متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل.
كما أن القاعدة الاقتصادية الأساسية تظل صحيحة:
(الإعفاء قد يخفض ثمن الرغيف اليوم، لكن الإنتاج وحده يضمن وجوده غدا)
الأمن الغذائي لا يتحقق بالاستيراد وحده
خلال الأزمات قد يكون الاستيراد ضرورياً، بل وحتمياً أحياناً. لكن لا يمكن بناء أمن غذائي مستدام على الاستيراد فقط. فالدول التي تعتمد بصورة مفرطة على الأسواق الخارجية تصبح أكثر تعرضاً لصدمات الأسعار والأزمات الجيوسياسية والاختناقات اللوجستية وتقلبات أسعار الصرف. ومن هنا تأتي أهمية دعم الزراعة المحلية ليس باعتبارها قطاعاً اقتصادياً فقط، بل باعتبارها جزءاً من الأمن الوطني والأمن الاجتماعي.
ولهذا تظل القاعدة الاستراتيجية جديرة بالتأمل:
(من لا يزرع غذاءه، يظل قراره مرهوناً بمن يبيعه له).
ماذا عن الأثر المالي للإعفاءات؟
هناك جانب آخر غالباً ما يغيب عن النقاش. فالرسوم الجمركية تمثل مورداً مالياً للدولة. وعندما تُلغى هذه الرسوم، تتناقص الإيرادات العامة. وفي حال جرى تعويض هذا النقص عبر رسوم داخلية جديدة أو جبايات إضافية أو توسع نقدي أو زيادات في أسعار الوقود والخدمات، فإن جزءاً كبيراً من فوائد الإعفاء قد يتبدد. لذلك ينبغي النظر إلى القرار ضمن سياسة مالية واقتصادية متكاملة، لا باعتباره إجراءً منفصلاً.
ما الذي ينبغي عمله؟
لا يوجد حل واحد لأزمة الغذاء، بل حزمة متكاملة من الإجراءات.
أولاً: إجراءات عاجلة:
ثانياً: حماية الموسم الزراعي:
ثالثاً: الإصلاحات الهيكلية:
ختاماً إن أزمة الغذاء في السودان ليست مجرد أزمة أسعار، ولا مجرد أزمة استيراد، ولا مجرد أزمة إنتاج. إنها نتاج تفاعل معقد بين الحرب والعملة والتمويل والطاقة والنقل والمؤسسات والأسواق. ولهذا فإن الإعفاءات الجمركية قد تكون خطوة ضرورية لتخفيف الضغوط الآنية على المواطنين، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع. فنجاح أي سياسة غذائية لا يقاس فقط بحجم السلع التي تدخل الموانئ، بل بقدرتها على خفض تكلفة الغذاء من الحقل إلى المائدة، وبقدرتها على بناء قطاع زراعي قادر على الاستمرار والنمو. وفي نهاية المطاف، لا يكفي أن نؤمن الغذاء في موسم واحد أو عام واحد، بل المطلوب بناء منظومة تجعل السودان أقل عرضة للصدمات وأكثر قدرة على إطعام نفسه بنفسه.
الدولة التي تستورد غذاء يومها، ولا تزرع غذاءها تؤجل الأزمة ولا تحلّها.









