الموقف السياسي الدولي يعتمد على مصالح حقيقية تُكتب خلف الأبواب المغلقة وليس مجرد لقاءات إعلامية أو تبديداً للموارد. عندما تجتمع القاهرة مع واشنطن لتؤكد أن سيادة السودان خط أحمر، فإنها تقرر ركائز الأمن القومي وليس مجرد إلقاء بيان. لقاء جمع الرئيس السيسي بمدير المخابرات الأمريكية ورئيس المخابرات المصرية جاء نتيجة لضرورات توقيت مريب، حيث تشير معلومات إلى وجود جهود لشرعنة مليشيا آل دقلو الإرهابية ومساواتها بالجيش الوطني السوداني، وخلق حكومتين موازيتين بالخرطوم ونيالا. لكن القاهرة، التي تدرك هذه المؤامرة، تسعى للتعاون مع الرياض لقطع الطريق على هذه الكيانات الموازية للشرعية. هذا التوقيت مقصود والرسالة استباقية؛ فالولايات المتحدة تستعد لطرح ملف السودان في الأمم المتحدة، ولذلك تلقت رداً حازماً بأن أي حل لا يمر عبر الشرعية والمؤسسات الوطنية لن يتم.
منذ عملية غدر قام بها آل دقلو ضد الجيش والشعب السوداني، تتمسك مصر بموقفها الدبلوماسي وتدافع بقوة وثبات عن أمنها الحيوي. السودان ليس مجرد دولة جارة، بل هو عمق استراتيجي، وتقسيمه يعني استنساخ الفوضى الليبية وتحويل البحر الأحمر إلى ساحة للمليشيات والمرتزقة.
في فبراير 2023، قبل الحرب بشهرين، وجهت القاهرة دعوة لزعماء القوى السياسية السودانية للتحاور بلا وسطاء، لكن النذر كانت تلوح في الأفق. شعرت القاهرة بالمخاطر وإنقاذت الموقف بورشة حوار سوداني-سوداني، لكن نشطاء حمدوك رفضوا المشاركة وحملوا مصر مسؤولية ذلك. رفضوا الجلوس مع شركاء وطنيين بالقاهرة، وتمترسوا خلف الاتفاق الإطاري الذي هندسه فولكر وأشعل به الحرب.
موقف مصر في قضية السودان يعتمد على رؤية استراتيجية ثابتة ترفض تفتيت دول المنطقة لصالح أجندات فوضوية. القاهرة تؤكد دائماً أن الحفاظ على السودان موحداً ودعم مؤسساته الشرعية هو الضمانة الأساسية لاستقرار الإقليم. قضية السودان بالنسبة لمصر تتجاوز الملف الإغاثي، ووحدته خط أحمر غير قابل للتفاوض. هذا الحزم الاستراتيجي أبلغته القاهرة لمدير المخابرات الأمريكية، وهو الموقف الذي تجسد في لقاء حاكم دارفور مناوي ومساعد وزير الخارجية الأمريكي مسعد بولس في نيويورك.









