فوق أرض الملعب ظهرت غرف صغيرة وأبواب وستائر، وانتشرت الملابس والأغراض الشخصية وألعاب الأطفال.
المكان الذي صُمم للرياضة تحول إلى مأوى ، ثم شيئا فشيئا إلى ما يشبه ” قرية ” مصغرة لعائلات اقتلعتها الحرب من منازلها.
وتكشف مجموعة صور حديثة جانبا مختلفا من أزمة النزوح في لبنان ، بعيدا عن مشاهد الغارات والركام.
فالصور توثق ما يحدث بعد مغادرة المنزل، عندما تبدأ محاولة بناء حياة مؤقتة داخل مكان لم يصمم أصلا للسكن.
يقع المأوى داخل مدرسة رسمية في مدينة صور ، ويضم أطفالا وعائلات نزحت من قرى في جنوب لبنان دمرت أو لا تزال تحت سيطرة القوات الإسرائيلية.
وبدلا من أرضية الملعب المفتوحة، باتت المساحة مقسمة إلى غرف مؤقتة، لكل عائلة ركن تحاول أن تمنحه شيئا من خصوصية المنزل.
وفي إحدى الصور، تطل طفلة من باب غرفتها الصغيرة، بينما تقف في صورة أخرى أم مع أطفالها أمام المساحة التي أصبحت منزلهم. وتظهر رندا التقي، البالغة 51 عامًا، مع ابنتها فاطمة حيدر، 11 عامًا، وهما ترتبان ملابسهما داخل الغرفة المؤقتة.
مشاهد بسيطة، لكنها تكشف كيف تحولت أرضية ملعب إلى مساحة للحياة اليومية؛ الملابس تُرتب، والأطفال يجلسون أمام “المنازل”، والعائلات تحاول صنع حدود خاصة بها داخل مأوى جماعي.
“كروان” انتقل معهم
وسط المشهد، التقطت عدسة صورة تحمل شيئا من الحياة التي تحاول العائلات الاحتفاظ بها رغم النزوح.
تجلس علوية أيوب، البالغة 44 عاما، داخل غرفتها المؤقتة مبتسمة، بينما يقف ببغاؤها الذي يحمل اسم “كروان” فوق رأسها.
طائر صغير انتقل، مثل أصحابه، إلى ملعب كرة السلة.
وفي مساحة أخرى من المدرسة، يظهر أطفال خلال نشاط نظمته منظمة “أنقذوا الأطفال”، بينما التقطت صورة أخرى صبيًا يقف أمام غرفته المؤقتة حاملًا بندقية لعبة، وفتيات يجلسن خارج إحدى الغرف.
وهنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات المكان قسوة: ملعب أُنشئ كي يلعب فيه الأطفال، أصبح اليوم مكانًا يعيشون فيه.
لا تكمن قوة المشهد في حجم الدمار، بل في غابه تقريبا عن الصور.
فبدل الأبنية المنهارة والدخان، تظهر تفاصيل تبدو للوهلة الأولى عادية: ملابس، أطفال، طائر أليف، أبواب صغيرة وأشخاص يحاولون ترتيب غرفهم.
لكن أرضية كرة السلة والخطوط الرياضية التي لا تزال واضحة تحت كل ذلك تكشف أن هذا المكان ليس منزلًا.
وتقول إن المدرسة تحولت إلى مأوى للأشخاص القادمين من قرى جنوبية دُمرت أو بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية ، في انعكاس للتداعيات الإنسانية المستمرة للحرب على سكان الجنوب.
داخل الملعب، تحاول العائلات إعادة تشكيل الحد الأدنى من الحياة التي عرفتها قبل النزوح.
غرفة صغيرة تصبح بيتا، وستارة تمنح بعض الخصوصية، ومكان محدود لحفظ الملابس، بينما تتحول المساحات المشتركة إلى ساحات يجتمع فيها الأطفال والعائلات.
ولا يعرف من يعيشون هنا متى يمكن أن تنتهي هذه الحياة المؤقتة أو متى يصبح الرجوع إلى قراهم ممكنا.
ولهذا ربما تحكي صور ملعب صور قصة تتجاوز المكان نفسه. فالركام يوثق اللحظة التي يفقد فيها الإنسان منزله، أما هذا الملعب فيروي ما يأتي بعدها: كيف يحاول النازح أن يصنع منزلًا جديدًا عندما لا يكون أمامه سوى مساحة لم تكن يومًا معدة للسكن.
وبين السلال المعلقة في الأعلى والغرف الصغيرة التي انتشرت أسفلها، تغيرت وظيفة المكان بالكامل.
لم تعد هناك مباراة على أرض الملعب، لكن الحياة مستمرة فوق خطوطه؛ أطفال يلعبون، وأمهات يرتبن الملابس، وعائلات تنتظر يومًا تستطيع فيه مغادرة هذه “القرية” المؤقتة والعودة إلى مكان يمكن أن تسميه منزلًا.
ملعب مدرسي في صور يتحول إلى قرية مؤقتة لعائلات نازحة من جنوب لبنان









