أحدث مشروع قانون الأسرة الجديد تباينا في ردود الفعل بين إشادة وانتقادات، ففي الوقت الذي اعتبره متخصصون في الأحوال الشخصية بمثابة “خطوة إيجابية نحو تعزيز استقرار الأسرة وحماية حقوق الطفل”، يرى آخرون الحاجة إلى إعادة النظر في بعض أحكام الحضانة والنفقة لتحقيق مزيد من التوازن.
يتضمن المشروع مجموعة من الضوابط والإجراءات التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين حقوق وواجبات طرفي العلاقة الزوجية، مع تعزيز مبادئ الشفافية، والحد من أي صور للتضليل أو الإخفاء قبل إتمام عقد الزواج، كما يتكون من مواد متعددة تغطي قضايا الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والرؤية، وفق نص مشروع القانون.
ومن أبرز ملامح مشروع قانون الأسرة، استحداث ملحق لعقد الزواج يتضمن اتفاقات مسبقة حول مسكن الزوجية والمسائل المالية، ليصبح سندا تنفيذيا مباشرا، إضافة إلى النص على إنشاء صندوق دعم ورعاية الأسرة لمساندة المطلقات والأبناء في حال تعثر الزوج، وتجميع دعاوى النفقات في قضية واحدة، إلى جانب آليات الرؤية الإلكترونية لضمان حق الطفل في رعاية كلا الوالدين عند تعذر الرؤية الطبيعية.
وفيما يتعلق بالنفقة، يلزم المشروع الجهات المعنية بتقديم بيانات الدخل الحقيقي، مع ضوابط لتعديل النفقة بعد عام إلا في ظروف استثنائية.
ومن أبرز ما تضمنه المشروع ما ورد في المادة السابعة، التي تمنح الزوجة الحق في طلب فسخ عقد الزواج قضائيًا خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ إبرام العقد بشرط عدم وجود حمل أو إنجاب، حال ثبوت أن الزوج قد ادعى لنفسه صفات غير حقيقية وتم الزواج على أساسها.
وينظر قانونيون إلى هذا النص باعتباره “آلية تهدف إلى حماية الطرف المتضرر من حالات التدليس، وتمكينه من إنهاء العلاقة في وقت مبكر، بما يحد من تفاقم آثارها القانونية والاجتماعية”.
في المقابل، أثار المشروع انتقادات فقهية، إذ اعتبر عضو لجنة الفتوى بجامعة الأزهر عطية لاشين، أن هذا التقييد الزمني قد لا يتوافق بشكل كامل مع أصول الشريعة الإسلامية التي تتيح الفسخ فور اكتشاف الغش دون ربط بمدة محددة.
كما وضع المشروع تنظيمًا خاصًا لإجراءات الطلاق المبكر، حيث ألزم الزوج الراغب في إنهاء الزواج خلال السنوات الثلاث الأولى من عقد القران بالتوجه إلى قاضي الأمور الوقتية بمحكمة الأسرة قبل إتمام الطلاق رسميًا، مع تقديم طلب مرفق بالمستندات اللازمة، على أن يقوم القاضي، باستدعاء طرفي العلاقة لمحاولة الصلح والوقوف على أسباب الخلاف، وإدارة جلسات تسوية.
ضوابط “الخطوبة”
وتطرق مشروع قانون الأسرة في مصر كذلك إلى ضوابط “الخطبة” وآثار فسخها، حيث نص على أن “الخطبة تُعد وعدًا بالزواج بين رجل وامرأة، ولا يترتب عليها ما يترتب على عقد الزواج من آثار قانونية”ـ في حين أقر بأنه “في حال عدول أحد الطرفين عن الخطبة أو وفاة أحدهما، يحق للخاطب أو ورثته استرداد المهر إذا كان قد تم دفعه قبل إبرام عقد الزواج، أو استرداد قيمته وقت القبض إذا تعذر رده عينًا، مع اعتبار الشبكة من قبيل الهدايا، ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك أو جرى العرف باعتبارها جزءًا من المهر”.
وفي السياق ذاته، نصت المادة الثالثة على أنه إذا تم العدول عن الخطبة دون سبب مقبول، فلا يحق للطرف المتراجع استرداد ما قدمه من هدايا، أما إذا كان العدول بسبب من الطرف الآخر، جاز استرداد الهدايا إن كانت قائمة أو قيمتها وقت الاسترداد، مع استثناء ما جرت العادة على استهلاكه.
ماذا بعد الجدل؟
ووسط الجدل الواسع، أحال رئيس مجلس النواب المصري المستشار هشام بدوي، مشروع الأسرة، إلى لجنة مشتركة من لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية ومكاتب لجان التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة، والشؤون الدينية والأوقاف، وحقوق الإنسان، لدراسته وإقراره.
بدوره، قال أمين اللجنة التشريعية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، إيهاب الطماوي، إن “قانون الأسرة يشكل أهمية خاصة باعتباره المنظم لشؤون الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع”، لافتًا إلى عقد اجتماعات مكثفة لبحث ودراسة مشروع القانون المقدم من الحكومة، والذي أحيل إلى اللجان النوعية المختصة بالبرلمان.
وأشار “الطماوي” الذي سبق أن تولى منصب وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان المصري، إلى أن “اللجنة التشريعية لقومي حقوق الإنسان حددت 13 اجتماعًا لبحث ودراسة مشروع القانون، على أن يُخصص كل اجتماع لدراسة باب من أبواب مشروع القانون، المكون من ثلاثة أقسام؛ أولها الولاية على النفس ويحتوي على 8 أبواب، وثانيها الولاية على المال ويحتوي على 6 أبواب، وثالثها يحتوي على 4 أبواب”.
وأكد الطماوي أن “الدراسة ستكون بمراجعة النصوص في ضوء أحكام الدستور ومبادئ حقوق الإنسان، بخاصة العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك اتفاقية حقوق الطفل، والاتفاقات الدولية ذات الصلة”، مشددًا على أن “المناقشات ستكون مفتوحة بهدف الوصول إلى بلورة رؤية للمجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن مشروع القانون”.
أبرز الاعتراضات
من جانبه، قال الرئيس الأسبق لمركز المعلومات بمجلس الوزراء وأحد المهتمين بقضايا الأحوال الشخصية، الدكتور أشرف تمام، إن “مشروع قانون الأسرة بصيغته الحالية يضم عددًا من المواد التي لا تستند إلى منطق تشريعي واضح، ولا تعكس التوقعات التي كانت معقودة عليه بأن يحقق التوازن والعدالة بين أطراف الأسرة”.
وأوضح “تمام” أن “القواعد الحاكمة في قانون الأحوال الشخصية تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها سن الحضانة”، مشيرا إلى أنه لم يطرئ عليه أي تعديل جذري في المشروع.
وأضاف أن “مبدأ تخيير الطفل بين والده ووالدته بعد انتهاء سن الحضانة ما زال قائمًا رغم اعتراضات واسعة من المتخصصين النفسيين، الذين اعتبروا أنه يمثل ضغطًا نفسيًا شديدًا على الطفل ويضعه في موقف لا يتحمله بين والديه”.
وأشار “تمام” إلى أن “التعديل الوحيد الذي استجاب لبعض المطالب يتعلق بترتيب الحضانة، بحيث تكون الأم في المرتبة الأولى، ثم تنتقل الحضانة إلى الأب حال سقوطها عنها”.
وانتقد تمام ما يتعلق بـ”بوليصة التأمين”، موضحًا أن “صياغتها كما ورد في المشروع يفتقر إلى العدالة في حالات الوفاة الزوج، بما يثير تساؤلات حول جدوى الالتزام بها وآلية توزيع مستحقاتها بين الأطراف”.
وفيما يخص آلية فسخ الزواج بعد 6 أشهر حال “الخداع”، اعتبر أن “التوسع في منح الحق في الفسخ قد يؤدي إلى زيادة معدلات الطلاق، خاصة أن المادة تتيح الفرصة للزوجة، وليس للزوج بالمثل”.
ووفقا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، بلغ عدد حالات الطلاق قرابة 274 ألف حالة خلال عام 2024، مقابل نحو 265 ألف حالة خلال عام 2023، بنسبة زيادة قدرها 3.1 بالمئة.
كما أبدى “تمام” تحفظه على ما يتعلق بالولاية التعليمية، موضحًا أن “ربطها بالحاضنة دون معالجة دقيقة لتغيرات الحضانة قد يخلق أعباء مالية غير متوازنة، ويؤثر على استقرار المسار التعليمي للأطفال حال انتقال الحضانة بين الأبوين”.
ماذا يقول القانون؟
بدورها، قالت رئيس محكمة الأسرة سابقًا المستشارة هايدي الفضالي، إن مشروع قانون الأسرة الجديد يتضمن عددًا من الجوانب الإيجابية، خاصة ما يتعلق بحقوق الطفل وتعزيز دور الأب في الرعاية والتربية، إلا أنه في المقابل يضم مواد أخرى قد تفتح الباب أمام نزاعات قضائية ومشكلات اجتماعية جديدة.
وأوضحت الفضالي، أن من أبرز النقاط الإيجابية بالمشروع إقرار نظام “الاستضافة” والمبيت، بما يتيح للأب مشاركة فعلية في تربية الأبناء ورعايتهم داخل بيئته الأسرية، معتبرة أن ذلك يمثل مصلحة مباشرة للطفل من خلال تعزيز صلة الرحم وتقوية العلاقة بين الأب وأبنائه، بدلًا من الاكتفاء بنظام الرؤية التقليدي الذي وصفته بأنه “كان من أكثر الأمور تأثيرًا سلبًا على الطفل نفسيا واجتماعيا”.
وانتقدت الفضالي النص الخاص بانتقال الحضانة إلى الأب مباشرة في المرتبة التالية للأم، معتبرة أن “هذه المادة قد تؤدي إلى نتائج عكسية على المستوى الاجتماعي، من بينها زيادة اللجوء إلى الزواج العرفي للحفاظ على الحضانة أو الحصول عليها، فضلًا عن فتح باب جديد للنزاعات بين الطرفين”.
وفيما يتعلق بالمادة الخاصة بفسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر، وصفت الفضالي النص بأنه “غير دستوري”، لكونه، بحسب رأيها، “يميز بين الرجل والمرأة بمنح الزوجة حق الفسخ دون الزوج، رغم أن كلا الطرفين قد يكون عرضة للتدليس”.
وفي ملف النفقة، اعتبرت الفضالي أن “المشروع تضمن خطوات إيجابية، خاصة مع دعم بعض الإجراءات التنفيذية المرتبطة بإلزام الممتنع عن النفقة، مثل وقف بعض الخدمات أو اتخاذ تدابير قانونية بحقه بعد صدور أحكام نهائية واجبة النفاذ”، مؤكدة أن هذه الإجراءات تعزز من فاعلية تنفيذ الأحكام على أرض الواقع.
وأبدت تحفظها أيضًا على المواد المنظمة لفترة الخطبة وآثار فسخها، معتبرة أن “ربط استرداد الشبكة والهدايا بتحديد الطرف المتسبب في إنهاء الخطبة قد يؤدي إلى زيادة النزاعات والدعاوى القضائية بين الأسر، بدلًا من تقليلها أو تشجيع الحلول الودية”.
الأحوال الشخصية للمسيحيين
وبالتوازي مع مشروع قانون الأسرة، أقرت الحكومة المصرية مشروع قانون الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين، وأحالته للبرلمان، في خطوة تستهدف هي الأخرى وضع إطار تشريعي موحد ينظم شؤون الأسرة المسيحية في مصر.
وينطبق مشروع القانون على 6 طوائف مسيحية رئيسية في مصر هي “الأقباط الأرثوذكس، السريان الأرثوذكس، الروم الأرثوذكس، الأرمن الأرثوذكس، الأقباط الإنجيليون، والكاثوليك”، حيث ألزم في سابقة قانونية المقبلين على الزواج بتقديم “وثيقة تأمين” تضمن للزوجة حقوقًها.









