في وضح النهار وبين المارة في مدينة كوستي، تعرضت ابنة شقيقتي لسرقة هاتفها بعد تهديدها بالسكين. لا يعتقد المرء أن هذه الحادثة، رغم وقوعها تحت تهديد السلاح الأبيض، يمكن اعتبارها استثنائية في السودان اليوم، حيث أصبحت مثل هذه الجرائم تتكرر في عدد من الولايات، مما أدى إلى تقليل تفاعل المجتمع تجاهها مقارنة بظهور عصابات “9 طويلة” في البداية.
لكن ما يدعو للتوقف في هذه الحادثة ليس فقدان الهاتف بحد ذاته، بل المؤشرات المقلقة التي تحملها حول التحولات في المجتمع السوداني تحت وطأة الحرب والمعاناة والضغوط الاقتصادية، والتي تهدد بعض القيم التي اعتز بها السودانيون جيلاً بعد جيل.
ابنة شقيقتي، وهي طالبة بكلية الطب وتقيم في كوستي، كانت في طريقها إلى الجامعة عندما توقفت الركشة التي تقلها بسبب الازدحام. كانت تمسك بحقيبتها بصورة طبيعية، ولم تخطر ببالها أن يظهر فجأة لص وينتزعها منها. وحين حاول اللص خطف الحقيبة، تمسكت بها بشجاعة، ونشبت بينهما لحظات من الشد والجذب أجبرتها على النزول من الركشة. وعندما أدرك الجاني إصرارها، أشهر سكيناً وهددها، لينتصر السلاح على فتاة صغيرة لا تملك سوى إرادتها وشجاعتها. وبعد استيلائه على الهاتف، ألقى بالحقيبة على جانب الطريق وفرّ هارباً بين الزحام.
لكن الجانب الأكثر إيلاماً في القصة لم يكن فعل اللص وحده، بل موقف من كانوا حولها. فالشارع كان مزدحماً بالمارة، ومع ذلك لم يتدخل أحد لنجدة فتاة تواجه لصاً بمفردها. حتى سائق الركشة الذي كان أقرب الناس إلى المشهد لم يتحرك لمساندتها أو محاولة ردع المعتدي.
وعندما عادت إلى الركشة منهكة وخاسرة في معركة غير متكافئة، لم تستطع إخفاء دموعها وعتابها لمن وقفوا متفرجين. تساءلت بصوت مرتفع: كيف يشاهد الناس فتاة تُهدد بسكين ولا يتحرك أحد؟ وكيف يمكن أن تصبح النجدة والشهامة أمراً مؤجلاً أمام الخوف؟
أحد المتفرجين حاول تبرير الموقف قائلاً إن اللص كان يحمل سكيناً. لكن هذا التبرير لا يبدد مرارة المشهد، ولا يجيب عن السؤال الأكبر: متى أصبح الخوف مبرراً للتخلي عن قيم النخوة والتكافل التي عُرف بها السودانيون؟.
الشعب السوداني لا يملك ثروات يتفاخر بها بقدر ما يملك رصيداً أخلاقياً عظيماً من الشهامة والكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف ونجدة المحتاج. وإذا بدأ هذا الرصيد في التآكل، فإننا نخسر شيئاً أثمر من الأموال والممتلكات.
ومع ذلك، فإن هذه الحادثة لا تعني أن الخير قد اختفى أو أن الرجال قد غابوا. فما زال في السودان، وفي كوستي على وجه الخصوص، رجال ونساء يحملون ذات القيم النبيلة التي عرفناها وعشنا عليها. وما حدث يظل تصرف أفراد ولا يمثل مجتمعاً بأكمله.
أما لابنة شقيقتي، فأقول: لا تدعي هذه الحادثة تعيق طريقك أو تنال من عزيمتك. الهاتف يمكن أن يُعوض، أما العلم والطموح والإصرار فلا يسرقها لص. واصلي مسيرتك كما عهدناك، متفوقة ومتميزة، وثقي أن الخير ما زال موجوداً، وأن الأيام القادمة ستكون أفضل بإذن الله.









