خلال الأيام الماضية، تلقى عدد من المصريين رسائل تنتحل صفة جهات رسمية، في أحدث حلقات الاحتيال الإلكتروني الذي بات يعتمد على استغلال ثقة الأفراد بالمؤسسات الحكومية والخدمات الرقمية المتنامية.
ومع تزايد الاعتماد على المعاملات الإلكترونية، لم يعد المحتالون بحاجة إلى أساليب معقدة، بل أصبحت رسالة واحدة كافية لاستدراج الضحية إلى مواقع مزيفة قد تنتهي بسرقة معلوماته الحساسة.
وفي خضم هذه التطورات، تدخلت وزارة الداخلية لنفي صلتها بهذه الرسائل والتحذير من التفاعل معها، لتعيد إلى الواجهة تساؤلات أوسع حول تنامي جرائم التصيد الإلكتروني، وحدود الحماية الرقمية المتاحة للمستخدمين، ومدى استعداد المجتمعات لمواجهة موجة احتيال عابرة للحدود تستغل الثقة قبل أن تستهدف الأموال.
فهل تمثل هذه الواقعة حادثة محلية عابرة، أم أنها انعكاس لظاهرة عالمية تتخذ من أسماء المؤسسات الرسمية بوابة جديدة للوصول إلى ملايين الضحايا حول العالم؟
وفي تصريحات، أكدت رحاب الرحماوي، خبيرة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، أن العالم انتقل من مرحلة “الاحتيال الرقمي التقليدي” إلى ما يمكن وصفه بـ”الهندسة الاجتماعية الذكية”، موضحة أن الذكاء الاصطناعي لم يكتفِ بتحسين صياغة الرسائل الاحتيالية، بل منحها قدرة غير مسبوقة على فهم السلوك البشري واستغلاله.
وقالت الرحماوي إن الرسائل التي تنتحل صفة الجهات الحكومية أصبحت تمثل أحد أخطر أشكال الجرائم السيبرانية الحديثة، لأن المهاجمين لم يعودوا يكتفون بتقليد أسماء المؤسسات الرسمية، وإنما باتوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لمحاكاة هويتها الرقمية الكاملة، عبر تحليل البيانات والمنشورات الرسمية وأنماط الخطاب والمصطلحات المستخدمة وحتى توقيتات التواصل مع المواطنين، بما يجعل الرسالة المزيفة أقرب ما تكون إلى رسالة حكومية حقيقية.
وأضافت أن المحتالين يختارون بعناية اللحظات التي يترقب فيها المواطن تواصلاً رسمياً، مثل فترات سداد الرسوم أو تجديد الوثائق أو الحصول على الخدمات الحكومية، الأمر الذي يرفع احتمالات تصديق الرسائل والاستجابة لها، حيث اعتبرت أن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذه الهجمات لم تعد تستهدف الأجهزة أو الحسابات الإلكترونية فقط، بل باتت تستهدف علاقة الثقة ذاتها بين المواطن ومؤسسات الدولة، فيما أطلقت عليه “الاحتيال القائم على الثقة المؤسسية”.
وفي المقابل، شددت الرحماوي على أن مواجهة هذا التطور المتسارع لا يمكن أن تعتمد على الوسائل التقليدية القائمة على الكلمات المفتاحية أو القوائم السوداء للمواقع المشبوهة، خاصة أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إنتاج ملايين الرسائل المختلفة التي يصعب رصدها بالآليات القديمة، وأكدت أن المعركة الراهنة تفرض الاعتماد على منظومات دفاعية قائمة هي الأخرى على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، بما يسمح باكتشاف الأنماط غير الطبيعية في حركة الرسائل، ورصد محاولات انتحال الجهات الحكومية وتحليل الروابط المشبوهة بصورة لحظية.
وأضافت أن تقنيات معالجة اللغة الطبيعية باتت تمثل أحد أهم خطوط الدفاع الحديثة، إذ تستطيع تحليل السياق والأسلوب والتمييز بين الخطاب الحكومي الحقيقي والرسائل التي تعتمد على التهديد أو الاستعجال أو طلب تحديث البيانات المالية، حتى وإن كانت سليمة من الناحية اللغوية، كما أشارت إلى أهمية تقنيات التحليل السلوكي التي ترصد حملات الإرسال الجماعي غير المعتادة، وتكشف النشاطات العدائية قبل انتشارها على نطاق واسع.
ورأت الرحماوي أن الخطوة الأكثر إلحاحاً خلال المرحلة المقبلة تتمثل في إنشاء منصة وطنية موحدة لاستخبارات التهديدات السيبرانية، تربط بين الجهات الحكومية وشركات الاتصالات والبنوك ومراكز الاستجابة للحوادث الإلكترونية، بما يسمح بتبادل مؤشرات الاختراق بصورة فورية، وحجب الرسائل الاحتيالية أو تصنيفها عالية الخطورة قبل وصولها إلى المواطنين.
وختمت بالقول إن الصراع في الفضاء الرقمي لم يعد بين مستخدم ورسالة احتيالية، بل بين ذكاء اصطناعي هجومي ينتج الخداع بوتيرة متسارعة، وذكاء اصطناعي دفاعي قادر على التعلم والتنبؤ والاستجابة في الزمن الحقيقي، مؤكدة أن امتلاك المنظومة الأكثر تكاملاً وسرعة في تحليل التهديدات سيكون العامل الحاسم في حماية المجتمعات الرقمية خلال السنوات المقبلة.
وفي السياق ذاته كشف جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن معركة الاحتيال الإلكتروني لم تعد تُحسم داخل أنظمة الحواسيب بقدر ما تُحسم داخل العقل البشري نفسه، موضحاً أن المحتالين باتوا يوظفون أدوات علم النفس والسلوك الإنساني بمهارة تفوق اعتمادهم على التقنيات الحديثة، وقال إن الرسائل التي تنتحل صفة جهات رسمية، مثل إشعارات المخالفات المرورية، تراهن بالأساس على إثارة مشاعر الخوف والاستعجال، إذ تدفع المتلقي إلى التصرف تحت ضغط نفسي قبل أن يمنحه الوقت الكافي للتفكير أو التحقق.
وأضاف فرويز أن ما يعرف بـ”الهندسة الاجتماعية” أصبح أحد أخطر أساليب الجريمة الرقمية، لأنه يستثمر في الثقة التي يمنحها المواطن للمؤسسات الرسمية، وفي الميل الفطري للاستجابة السريعة لأي تهديد يتعلق بالعقوبات أو الإجراءات القانونية وأشار إلى أن وصول هذه الرسائل في أوقات الانشغال أو الإرهاق يزيد من فرص نجاحها، حيث يتراجع التفكير النقدي لصالح ردود الفعل التلقائية.
وأشار فرويز إلى أن أخطر ما في هذا النوع من الجرائم أنه يحول الإنسان نفسه إلى أداة لتنفيذ الاختراق، إذ يقوم الضحية، بدافع الخوف أو الرغبة في إنهاء المشكلة سريعاً، بتسليم بياناته طواعية من دون إدراك أنه وقع في فخ نفسي محكم.
وأضاف أن المحتالين يدرسون أنماط السلوك الإنساني بعناية، ويعتمدون على رسائل قصيرة ومباشرة تحمل قدراً محسوباً من الغموض والإلحاح، بما يدفع المتلقي إلى اتخاذ قرار فوري بدلاً من البحث أو الاستفسار، وأكد أن ترسيخ ثقافة “التوقف والتأكد” يجب أن يصبح سلوكاً يومياً لدى المستخدمين، تماماً كما أصبحت كلمات المرور وبرامج الحماية جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الرقمي الحديثة.
وحذر استشاري الطب النفسي من أن آثار هذه الجرائم لا تتوقف عند حدود الخسائر المادية أو سرقة البيانات، بل تمتد إلى زعزعة الثقة بالتكنولوجيا وإحداث ما يشبه “القلق الرقمي” لدى الضحايا، لافتا إلى أن بناء الوعي النفسي بات ضرورة موازية للحماية التقنية، وأن التوقف للحظات قبل الضغط على أي رابط مجهول يمثل اليوم خط الدفاع الأول في مواجهة المحتالين.
رسائل احتيال تستهدف الثقة بالجهات الرسمية وتستخدم الذكاء الاصطناعي لزيادة خطورتها.









