Home / سياسة / دنقلا.. سقوط إمبراطورية الجريمة وملاحقة زعيمها التوأم.

دنقلا.. سقوط إمبراطورية الجريمة وملاحقة زعيمها التوأم.

دنقلا.. سقوط إمبراطورية الجريمة وملاحقة زعيمها التوأم.

دنقلا كانت، إلى وقت قريب، تحت سيطرة عصابة ضخمة من أضخم العصابات في البلاد. امتلكت هذه العصابة أسلحة نارية ثقيلة ومركبات وعتاداً حربياً، مما جعلها إمبراطورية قائمة بذاتها وقادرة على تشكيل وصنع الأحداث واختياق المعارك. من هم عناصر تلك العصابات؟

عصابة (أولاد قمري) تتكون من شقيقين توأم كانا يتبعان قوات الاحتياطي التابعة للشرطة. وقع خلاف بينهما وقائدهما ضابطاً برتبة عقيد، فخطط الرجلان لإذلاله وإيذائه. قاما باستدراجه ومن ثم الاعتداء عليه ضرباً وطعناً. تم إيقافهما وتقديمهما لمحكمة شرطة، والتي أفضت إلى فصلهما وطردهما من الشرطة. ومن ذلك اليوم تحول الأخوان إلى مشروع جريمة وأصبحا أخطر ناهبين على الطرقات. لم يقف الأمر عليهما، بل أصبحا بؤرة ينضم إليها المطاريد ومرافيد القوات النظامية، وبدأت أعدادهم في تزايد. توجهوا للمناطق الطرفية والخلوية بالولاية، يمارسون فيها نهب عصابات التهريب والتجار والمارة بتلك الطرق، وذوي الحظوظ السيئة الذين تقودهم الصدفة للمرور بمناطق سيطرة تلك العصابات.

تطور المطاريد وامتلكوا الأسلحة والمركبات، وشكلوا قوات مسلحة متفلتة، أصبحوا يمارسون النهب والسلب على عينك يا تاجر ولا أحد يقوى على مخالفتهم. وفي بداية الحرب، رُصد لهم تواصل مع مليشيا الدعم السريع، ووقتها كانت أعدادهم قد تجاوزت ثمانمائة متفلتاً، امتلكوا أسلحة ثقيلة عبارة عن راجمات، آر بي جى، دوشكا، قنابل، بل حتى مسيرة وغيرها من الأسلحة. هنا ارتأت الدولة تحييدهم وقطع تواصلهم بالمليشيا، وقد كان حيث نجحت الأجهزة النظامية في تحييدهم واستيعاب مجموعات منهم لا تتجاوز المائتين فرداً.

حينما تسلم الوالي الفريق عبدالرحمن عبدالحميد منصبه، كانت لديه خلفية عن أنشطة تلك العصابات، فتأبط شراً لها ورفض كل محاولاتهم إستمالة حكومة الولاية الجديدة لصفهم، إلا أن مخططهم قد فشل. مات أحد التوأمين في حادث، بينما قاد الآخر المجموعة وحاول إظهار أنه قوة نظامية ضاربة وقادرة وموازية للقوات النظامية. قاد المجموعة في الصحراء وعاد منها محملاً بمركباته بأسلحة ثقيلة ادعى أنهم قاموا بضبطها في منطقة الكيلو (70) حدود ولاية الخرطوم، وبتصرفه ذلك قصد إيصال رسالة لرئاسة الحكومة بأنه قوة فاعلة وفادرة على السيطرة على المشهد الأمني، ولكن مساعيه لم تنجح.

في أحد الأيام، حينما دنا أجلهم، ذهب التوم زعيم العصابة لملاقاتة قائد قوات درع السودان أبوعاقلة كيكل، وبعدها عاد للولاية مرتدياً زياً كاكي ويضع رتبة (مقدم) على كتفه، وكانت تلك اللحظة قد تعاطى المخدرات التي لعبت برأسه وصورت له أنه أصبح رئيساً لدولة لا لعصابة. أثناء سيره، أوقفه قوة نظامية وتحدثت إليه حول أسباب ارتدائه تلك الرتبة، فثارت ثائرة، أساء للقوة التي ضبطته واستعرض قوته وتحرك عنوة في طريقه لمقر قوته. قطعت عليه القوة الطريق وأعادت إيقافه في محاولة لاقتياده إلى مقر القوة، إلا أن مرافقه قام بإطلاق أعيرة نارية صوب القوة فأردى أحد أفرادها قتيلاً، فأطلقت القوة أعيرة عليهما قتلت بموجبه المعتدى مرافق المتهم واصيب زعيمه إصابات نقل على أثرها لتلقي العلاج. كان ذلك في أواخر العام 2025م، وبعدها أعلنت الطوارئ في المدينة وتم تفكيك هذه العصابة وتسلم مقارها وأسلحتها ومركباتها وحيل قائد القوة للسجن الحربي عقب تماثله للشفاء وسيقدم للمحاكمة.

عصابة الشاذلي: الشاذلي الأنور نجل أحدى العائلات السودانية العريقة، في أحد الأيام سقط أسيراً لدى عصابات التبو الليبية التي طالبت بفدية نظير إطلاق سراحه وساومت أهله على أموال طائلة نظير الإفراج عنه، وقد كان وافرج عنه وعاد ليحمل في قلبه غلاً وحقداً على تلك العصابات الليبية. لم يترك حقه وقام بتشكيل عصابة وأغار على تلك العصابة الليبية وأسر عدداً من عناصرها، ومن ثم أخذ بثأره وأصبح يبتز أسرهم وطالب بفديات كبيرة تتجاوز الأموال التي دفعتها أسرته نظير الإفراج عنه. بعد أن تلقى الأموال، أفرج عنهم، ومن يومها ظل بمجموعته يشكل حالة من الرعب والهلع وسط المواطنين، حتى تزامن تفكيك عصابته مع عصابة أولاد قمرى، فكانت عصابته الخطة التالية. وكان الوالي قد وجه بسحب مركباته وأسلحته، وحينما علم، فر هارياً، وحضرت قوات طوقت المنطقة وتسلمت أسلحته ومركباته وفتشت منزله حيث عثر بمنزله على كاكي يخص مليشيا الدعم السريع، وظل هارباً خارج البلاد حتى اليوم وتم تفكيك عصابته نهائياً.

ماذا يحدث بـ(الدبة)؟ المشكلة الأساسية في منطقة الدبة تكمن في أن الكثافة السكانية بها قد تضاعفت عقب الحرب وظهرت في السطح أشكالات قبلية، حيث أصبحت أي قبيلة تسعى لاستعراض مالديها من أسلحة لاخافة القبائل الأخرى. وقبل أشهر وفي العام الماضي وفي منتصف السوق، وقعت اشتباكات دامية وقتها بين قبيلتي الهواوير والكبابيش، وتمت السيطرة عليهم عقب تدخل اللواء 73 الذي فصل بين الفريقين واعتبر هذا السلوك مستهجناً وغريباً ودخيلاً على الولاية.

مزارع الدبة: أحد أهم المشاكل التي قادت لاشتباكات بمنطقة الدبة كانت انتشار المقاهي وتجارة المخدرات على طول شريط أسوار المزارع الواقعة على الطرق الرئيسية لمحلية الدبة، وأصبحت تلك المواقع بؤراً يقصدها حملة السلاح وتنامت فيها معدلات جرائم القتل والنهب المسلح. قوات الحركات المسلحة والقوات المشتركة ينشط بعض أفرادها في تجارة المخدرات وعمليات التهريب بشتى أنواعه وذلك بغرض تمويل جزءاً من تلك القوات التي ليست لديهم مرتبات ويلقبون بـ(القوات مجهولة القيادة).

آخر الأحداث التي شهدتها الدبة كانت أحداث مزرعة النخيل بين أفراد من أحدى القبائل قادمين من المالحة اشتبكوا مع أفراد من أحدى قبائل سكان المنطقة، وكان السبب في الخلاف هو اختلاف على كمية من المخدرات. تمت السيطرة على الدبة سيطرة نهائية باحضار قوات من خارج الدبة ونشرها حيث ظلت تعمل لمدة أسبوعين استطاعت خلالها ازالة بؤر وأوكار المخدرات والخمور والمقاهي وتم فتح الممرات وازالة المقاهي والرواكيب والمظاعر السالبة وبعدها سلمت المنطقة نظيفة كما كانت قبل تدنيسها.

حالياً وعقب الجهود التي بُذلت عاد الأمان للولاية وانخفضت معدلات البلاغات خاصة الجرائم ضد النفس وتشهد هذه الفترة استقراراً أمنياً كبيراً أسهم في استتباب الأمن تماماً وعودة الحياة لطبيعتها، ولازالت شرطة الولاية ولجنة أمن الولاية تقوم بتنفيذ حملات وطوافات وعمليات أمنية بمحليات الولاية السبع عبر ثلاثين قسم جنائياً بالتركيز على مناطق الهشاشة والمناطق المصدرة للجريمة والمستقبلة لها.

وبحسب الاحصائيات الرسمية، فإن الولاية سجلت في العام 2024م (36818) بلاغاً، وفي العام 2025م تم تقييد (33349) بنقصان أكثر من ثلاثة آلاف بلاغ بمعدل يومي (91) بلاغ، وفي النصف الأول من العام 2026م سجلت الولاية (17220) بلاغ. وتعود أسباب تزايد البلاغات في النصف الأول من هذا العام إلى ورود أعداد كبيرة من البلاغات التي دارت أحداثها في ولاية شمال دارفور وتم تقييد بلاغاتها في الولاية الشمالية كجرائم انتهاكات المليشيا من قتل ونهب وخطف وغيرها وقيدت من قبل النازحين القادمين من مناطق الحرب.

تعتبر المخدرات من أخطر المهددات الأمنية للولاية التي قيدت منذ مطلع العام 2025م وحتى نهاية النصف الأول من العام 2026م (1596) بلاغاً، وبلغ عدد المتهمين فيه (2857) متهماً، وبلغت جملة المضبوطات نحو (631944) رأس بنقو، (13826) حبة مخدرة و(2) كيلو و(92) جرام من الأيس.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *